الإصلاح الديني قبل الإصلاح السياسي

الإصلاح الديني قبل الإصلاح السياسي
شارك هذا على :

سأبدأ حديثي بالمقدمات الآتية:

أولاً: ثمة أمور عندي غير قابلة للنقاش، منها الإيمان. فالإيمان بالله عندي تسليم وأنا مسلّم بوجود الله واليوم الآخر. وهذه مسلّمة. والمسلّمة هي أمر لا يمكن البرهان عليه علمياً، كما لا يمكن دحضه علمياً. ولهذا لا يجوز للملحد المنكر لوجود الله أن يقول: أنا ملحد لأن الإلحاد موقف علمي، ولا يجوز للمؤمن بوجود الله في المقابل أن يقول: أنا مؤمن لأن الإيمان موقف علمي. وعندي أن الإلحاد أو الإيمان خيار يختاره الشخص بنفسه ولنفسه.

ثانياً: الإيمان بأن محمداً عبد الله ورسوله، وبأن الكتاب الذي نزل عليه وحي موحى من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس. وهذا عندي أيضاً إيمان تصديق أنا به مؤمن كشأن إيمان التسليم الذي أنا به مؤمن.

ثالثاً: الكتاب الموحى لا يعتبر دليلاً علمياً، بل هو دليل إيماني. وعلى أتباع الرسالة المحمدية تقديم الدليل العلمي على صدقيته من خارجه. ولو كان القرآن دليلاً علمياً، لكفى أن نقول لأي إنسان قال الله تعالى كذا وكذا فيقبله. ومن هنا فان على أتباع الرسالة المحمدية عندما يخاطبون العالم أن يقدموا الدليل على صدقية ما ورد في المصحف من خارجه وليس منه. فالعقل كالمظلة لا يعمل إلا مفتوحاً، فإذا أغلق توقف عن العمل، وتسبب في قتل صاحبه. وعلينا أن نفتح عقولنا حتى لا نموت. لكن الثقافة العربية الإسلامية الحالية ثقافة تقليدية تراثية نفتح الكتب والتلفزيونات والبرامج الثقافية، فنجد الثقافة العربية الإسلامية تعيد إنتاج نفسها، وتكرر نفسها. لماذا؟ لأنها ثقافة تقوم على القياس ولا تقوم على الإبداع، ونحن نحتاج إلى إبداع وليس إلى قياس.

نأتي الآن إلى المفاهيم والقيم. القيمة الأولى هي الحرية، والقيمة الثانية هي العدالة. هاتان القيمتان كامنتان وراء كل الثورات الكبرى في العالم، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية. فحتى في الثورات ذات الجانب الدنيوي نجد هاتين القيمتين الحرية والعدالة. ثورة أكتوبر الشيوعية قامت من أجل العدالة قبل أن تقوم من أجل الحرية. وثورة الزنج قامت من اجل الحرية قبل أن تقوم من أجل العدالة. وهناك ثورات قامت من أجل الاثنتين معاً.

من الناحية النظرية، نجد مفاهيم الحرية والعدالة في تاريخنا العربي الإسلامي، ومن الناحية النظرية، نرى هذين المفهومين في كتاب الله الموحى. ويهمنا هنا الآن أن ننظر كيف مورس هذان المفهومان في تاريخنا العربي الإسلامي.

الحرية حتى هذه الساعة وعلى مر عصور التاريخ ليس لها وجود في الوعي الجمعي العربي والإسلامي. العدالة فقط هي الموجودة، وإذا قالوا عن إنسان أنه عادل منصف أعجبنا ولم نسأل عن القيم الأخرى فيه. حتى عمر بن الخطاب ذلك الصحابي الجليل والزعيم الكبير استعمل لفظ الحرية في موقع المساواة والعدالة حين قال عبارته المشهورة في حادث القبطي مع ابن عمرو بن العاص “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”. قد يقول قائل: إنه يذكر الاستعباد والأحرار. أقول: نعم، لكنه لم يكن يعني الرق ونقيضه. كان يعني العدل في المساواة بين العبد والحر. والدليل أن الرق كان نظاماً متبعاً أيام عمر، وكان العبد يباع ويشترى ويؤجَّر، ولم يفعل عمر شيئاً من أجل إلغائه. ولو كان يعني بعبارته الحرية لفعل شيئاً من أجل الرق، لكنه لم يتدخل.

ولكن ما الذي حصل بعدها؟ الذي حصل إننا من أجل العدالة قبلنا بعصا عمر، ومات عمر، وبقيت العصا. لا بل كبرت وغلظت. وصرنا نقرأ عن الرشيد أو المأمون أنه كان ينزل متنكراً ليتفقد أحوال الرعية، فنمدحه ونترحّم عليه دون أن نسأل كم من المساجين كان في سجونه.

صرنا نمدح الحجاج لأنه نقّط القرآن، وننسى انه كان في سجونه حين مات – بحسب رواية الأصمعي – أكثر من 66 ألف سجين. قبلنا ذلك كله لأن مفهوم العدالة هو المسيطر على رؤوسنا، قبلناه إلى حد أننا اخترعنا مفهوماً جديداً هو مفهوم المستبد العادل، ومع ذلك كان هناك تجاوز للعدالة. فنحن حين ننظر في الإسلام التاريخي وفي أدبياته الفقهية التطبيقية، نجد أن مفهوم العدالة قد حل محله مفهوم المستبد العادل، وان الحاكم لا يعزل وإن جار أو ظلم. ولا يعزل حتى إن فسق أو أصيب بالجنون، لا يعزل ويحكم مدى الحياة. هكذا تبدو الحرية والعدالة في وعينا الجمعي وفي الكتب التي ما زالت تطبع حتى اليوم ونقبلها. ما زلنا نصفق للحاكم الذي يتنكر وينزل كي يتفقد أحوال الرعية، مع أنه لم يبق الآن ما يدعوه إلى التنكر بوجود مؤسسات مجتمع مدني وأهلي تقوم بهذا الدور بالفرض.

ننتقل الآن لبيان الأساس النظري لمفهوم الحرية كما ورد في كتاب الله تعالى، ثم لنشرح بعده مفهوم الردة لما له من علاقة مباشرة بمفهوم الحرية. ففي كتاب الله مصطلحان: الأول هو العباد والثاني هو العبيد. فما الفرق بين العباد والعبيد؟ لقد ورد المصطلحان في كتاب الله، فهل نحن عباد الله أم عبيد الله؟ هذا هو السؤال. والجواب إن الناس هم عباد وليسوا عبيداً في كتاب الله تعالى.

لقد جاء المصطلحان من أصل ثلاثي هو “ع، ب، د” وهو من ألفاظ الأضداد في اللسان العربي التي تعني الشيء وضده معاً. وفعل عَبَدَ يعني أطاع كما يعني عصى في الوقت نفسه. أي أن العبادية تعني الطاعة والمعصية. وقد ورد هذا المصطلح بمعنييه في كتاب الله تعالى. فقال تعالى بمعنى الطاعة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة : 5]. وقال تعالى بمعنى المعصية {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ …} [الزمر : 53].

وقال {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف : 81]. وقال تعالى بمعنى الطاعة والمعصية معاً {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر : 49]. وقال {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقاً لِّلْعِبَادِ} [قـ : 10-11]. وقال {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56]. أي ليكونوا عباداً يطيعون ويعصون بملء إرادتهم واختيارهم. وليس كما يقول السادة العلماء أنه خلقهم ليصلوا ويصوموا ويكونوا عبيداً. فالعبودية غير مطلوبة أصلاً. والله سبحانه لم يطلب من الناس أن يكونوا عبيداً له في الحياة الدنيا، بل خلقهم ليكونوا عباداً، فيهم من يطيع فيصوم ويصلي، وفيهم يعصى فلا يصوم ولا يصلي.

إن حرية الاختيار التي يجسدها مصطلح العبادية هي كلمة الله العليا التي سبقت لأهل الأرض، وقامت عليها حكمة الخلق بالأساس، في قوله تعالى. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [يونس : 19] [هود : 110] [فصلت : 45]، {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} [طه : 129] [الشورى : 14]. ولهذا فحين نكره الناس على الإيمان أو نكرههم على الإلحاد تكون كلمة الله هي السفلى. ولهذا أيضاً أمر رسول الله صلوات الله عليه بالجهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا. ولكن عندما يُكره الناس على الصلاة ولو في المسجد الحرام تصبح كلمة الله هي السفلى. وعندما نُكره النساء على الحجاب كما في أفغانستان أو نكرههن على نزع الحجاب تصبح كلمة الله هي السفلى. القضية إذن قضية{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة : 256]، وقضية حرية اختيار، لولاها لما بقي معنى ليوم الحساب ولا للثواب والعقاب.

ننتقل الآن إلى المصطلح الثاني في كتاب الله تعالى وهو العبيد. لقد ورد هذا المصطلح في القرآن خمس مرات. {وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران : 182] [الأنفال : 51] [الحج : 10]. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت : 46]. {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [قـ : 29]. ونلاحظ أنها وردت كلها في مجال اليوم الآخر. لماذا؟ لأننا في اليوم الآخر عبيد ليس لنا من الأمر شيء. ولأننا في اليوم الآخر عبيد ليس لنا رأي ولا يحق لنا أن نتكلم أصلاً. في الحياة الدنيا يؤمن الناس أو يلحدون يطيعون أو يعصون لأنهم عباد، إما في اليوم الآخر فلا وجود لحرية الاختيار، في اليوم الآخر هناك سَوْق. مثل السوق القسري إلى خدمة العلم. فيساق العصاة إلى النار تماماً مثلما يساق الطامعون إلى الجنة. يقول تعالى{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً} [الزمر : 71]. {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً} [الزمر : 73]. ونفهم من هذا كله أن الناس عباد الله في الدنيا وعبيد الله في اليوم الآخر.

كما يتضح لنا بكل جلاء أن مفهوم الحرية في كتاب الله تعالى سبق مفهوم العدالة، بدليل ورود الظلم مقرونا بالعبيد في الآيات الخمس. لماذا؟ لأن العبد لا يستطيع أن يقيم العدالة، ومن هنا اقترن الظلم بالعبودية. أما العباد الأحرار فلا حاجة لتذكيرهم بالعدالة لأنهم يستطيعون أن يقيموها بأنفسهم باعتبارهم أحراراً. وحين يملك المرء حرية الاختيار ويرتفع عنه سيف الإكراه يصبح قادراً على تحقيق العدالة وصنعها. ننتقل الآن لننظر كيف اخذ الفقه الإسلامي التاريخي بالحرية والعدالة في مسألة الردة. إنما علينا أولاً أن نميز ونحن نتحدث عن الردة بين نوعين: الردة السياسية، والردة العقائدية. فالردة السياسية هي محاولة خروج على الحكم للاستيلاء عليه.

ففي بريطانيا مثلاً، إذا أراد إنسان أن يصبح حاكماً ورئيس وزراء فكيف يتصرف؟ إنه ينتسب لحزب في بريطانيا ثم يسعى ليصل إلى رئاسة الحزب ثم لينتصر الحزب في الانتخابات… هذا هو الطريق. لكن الأمر مع الرسول (ص) مختلف. فقد بدأ نبياً ورسولاً وانتهى مؤسساً لدولة مركزية في الجزيرة العربية عاصمتها المدينة المنورة. فترسخ في الوعي السياسي لدى الناس أن أي إنسان يريد أن يصبح له دور سياسي أو أن يصبح رئيس دولة يجب أن يدعي النبوة. وأول من فعل ذلك في العصر النبوي هو الأسود العنسي فأمر الرسول بقتله.

وعندما قام مسيلمة الكذاب وادعى النبوة ورفض أداء الزكاة للخليفة أبي بكر، كان هناك موقفان: موقف أبي بكر وهو موقف اقتصادي سياسي، وموقف عمر وهو موقف ديني يضمن حرية التصرف والممارسة. وقد انتصر وقتها موقف أبي بكر نظراً إلى أن الزكاة كانت الدخل المالي الوحيد للدولة. أما اليوم بعد اعتماد الأنظمة الضريبية من قبل الدولة فقد رجح عملياً موقف عمر، إذ لا يتم الآن دفع الزكاة للدولة بل يصرفها أصحابها بأنفسهم على مستحقيها. ولكن لو جاء أهل حلب الآن ورفضوا أداء الضرائب المحصلة للدولة المركزية، فمعنى ذلك أنهم انفصلوا عن الدولة. وهذه هي الردة السياسية.

والردة السياسية ليست حكراً على المجتمعات العربية والإسلامية، فنحن لسنا بدعة من الناس. فأكبر الحروب التي جرت في أميركا بين الشمال والجنوب هي حروب انفصال وردة سياسية.

أما الردة العقائدية، فمثالها أن يقول إنسان مسلم: أريد أن أصبح مسيحياً، أو بوذياً، أو أن يقول إنسان مسيحي: أريد أن أصبح مسلماً أو يهودياً. وحكم هذا الإنسان في الإسلام التاريخي القتل. لماذا يقتلونه؟ ثمة من يقول: هناك حديث نبوي “من بدّل دينه فاقتلوه”.

ونحن نقول، إذا كان الله سبحانه يقول: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف : 29] ويقول: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة : 256] ويقول لنبيه: {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية : 21-22] فكيف يستقيم أن يأمر النبي بقتل المرتد؟ – وثمة من يقول: أنت دخلت في الإسلام طوعاً ولم يجبرك أحد ولهذا لا تستطيع الخروج الآن. ونحن نقول: إن معظم المسلمين دخل في الإسلام في شكل آلي لا طوعاً ولا كرهاً، ولدوا من أبوين مسلمين فكانوا مسلمين ولو ولدوا في بلاد البوذية لكانوا بوذيين.

إنني ألوم منتدى جمال الأتاسي عندما بدأ يطالب بالإصلاح السياسي. وهذا مستحيل. لا يمكن أن يكون إصلاح سياسي قبل الإصلاح الديني، فالعقلية التقليدية الموجودة عند الناس لا تقبل أي إصلاح سياسي.

سأعطي مثالاً: هناك أبواب في الفقه الإسلامي التاريخي تحتاج إلى تغيير، منها باب سد الذرائع. وهو باب حسب المعنى السياسي يعني حالة الطوارئ والأحكام العرفية. مثلا: إذا خرجت امرأة إلى الطريق فيجب أن تلبس خيمة سوداء لأننا نخشى أن يقول لها رجل مرحباً. ولا يجوز أن تتعطر وإلا اعتبرت زانية، والأفضل للنساء أن “يقرن في بيوتهن” فلا يخرجن أبداً.

باب آخر هو باب درء المفاسد خير من جلب المنافع. وهذا الباب حوّلنا إلى جبناء وبلداء وكسالى انحصرت علاقتنا بالدولة والحياة إلى درء مفاسد دون جرّ منافع، رغم أن قانون الوجود قائم على المفاسد والمنافع معاً، على الخير والشر معاً، ونفي أحدهما يعني نفي الآخر حتماً. يقول تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء : 35].

باب ثالث هو “كل قرض جر منفعة فهو ربا” تشددوا فيه بتعريف “المنفعة” وبالغوا بتوسيع حدود “الربا”، وقرنوه بقواعد أخرى في تبديل الذهب بالذهب والفضة بالفضة والقمح بالقمح، حتى صارت المعاملات في الأسواق التجارية بالغة الصعوبة والتعقيد. ومع ذلك نسمع خطباء الجمعة على المنابر، يتشدقون بأن الرسول (ص) مات ودرعه مرهونة عند يهودي. ونستغرب ونحن نتساءل: “أليس هذا إن صح أمراً معيباً، وفي الأمة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعمرو بن العاص وغيرهم من مليونيرات قريش؟ ثم نتساءل: كم كان مقدار الفائدة التي تقاضاها هذا اليهودي؟ فالتاريخ لم يسمع من قبل بيهودي يقرض أعداءه اللدودين قرضاً حسناً.

باب رابع هو باب التساهل في رواية الأحاديث الضعيفة في مجال الترغيب والترهيب. باب خامس خطير ومهم هو باب الشورى. قال تعالى آمراً نبيّه الكريم {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران : 159]. ثم قرن الشورى مع الصلاة ليدل على أهميتها في قوله تعالى {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى : 38]. ومع ذلك جعلوا الشورى للحاكم العادل الفقيه معلمة غير ملزمة، أي أنهم حولوه إلى ديكتاتور، ليس في الشرع ما يلزمه بآراء الآخرين. باب آخر هو باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما نعرفه اليوم باسم محاربة الفساد.

هذه المهمة الخطيرة وضعوها بيد الحاكم وأسندوها إلى الدولة. في الوقت الذي يعلم الجميع أن الدولة بما لديها من أموال وجيش وأمن وشرطة وسلطة هي الأحوج من غيرها لأن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ثم مسخوا مسألة الفساد والنهي عن المنكر إلى حدود مضحكة. يقول أحد الدعاة الإسلاميين في كتاب له صدر بعد خروجه من السجن “كنا نتدرب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجامعة، فإذا رأينا أحدهم يقف مع فتاة، استوقفناه. فإذا كانت أخته تركناه، وان لم تكن سألناه لماذا يقف معها ونهيناه عن المنكر”. في بعض الدول العربية الإسلامية يساق الناس إلى الصلاة في الأسواق بالعصا تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن غياب الوعي بمفاهيم الحرية والعدالة ووضع الدين في خدمة السياسة كما هي الحال في جميع بلدان العالم الإسلامي، وتخلف الوعي بدور مؤسسات المجتمع المدني في الشورى، والتشريعات الفقهية التراثية التي لا مكان فيها لآراء الناس ولا لمصالحهم، هو السبب الكامن وراء ظهور الأصولية الإسلامية السياسية اليوم والحركات المتطرفة التي تتطلع إلى الاستيلاء على الدين والحكم معاً.

نحن أخيراً لسنا بحاجة إلى إصلاح سياسي، ولا إلى مؤسسات مجتمع مدني، فمجالس الشعب ودور الإفتاء والنقابات والاتحادات والمنتديات والصحف موجودة. نحن بحاجة أولاً إلى إصلاح فكري وديني وثقافي. وإلى خلق الإبداع الفقهي المتجدد، لتفعيل ما عندنا من مؤسسات موجودة.

 

شارك هذا على :

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!