الإنتحار عبر إضرام النار في الجسد.. مسؤولية من ؟!

الإنتحار عبر إضرام النار في الجسد.. مسؤولية من ؟!
شارك هذا على :

ظهرت مؤخراً في مجتمعنا حالة شاذة لم ترتق بعدُ لِمَصَافِّ الظواهر، وإنما أضحت فعلا في تزايد مُطَّرِد يقلق الجميع، ألا وهي حرق الجسد عن عمد، وهي عقوبة يختارها الشخص – حسب ظنه – إما احتجاجا على وضع مادي قاهر، أو على كبت الحريات وهضم الحقوق، أو على ضغوط دينية، أو ربما تجد أن الأمر عاطفي كالعلاقات بين الجنسين، أو نفسي كالكآبة والإحباط الشديدين، أو مَرضي كالإختلال العقلي والنكوص الذهني وغيرها.

ولتبيان المسألة، فمعلوم أن الشرع أولا قد حرم قتل النفس “الإنتحار”، لأنه من الضروري جدا الحفاظ على المقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية، وهي: النفس، والمال، والعرض، والدين، والعقل، وقد كانت النفس هي أولى المقاصد، نظرا لأن انتفاءها ينفي كل ما سبقها من تلك الأربع الباقية.

أما إذا جئنا للنظام المجتمعي القائم، فإنه بدوره يشجب هذه الفعلة النكراء بالجسد، ونجد هذا الشعور والتضامن متبادل في كل البقاع، إلا أن السؤال الكبير هنا هو:

ما عساه ينفع ذاك الحارق نفسه إن هو قام بفعلته، ثم بعد ذلك تحركت موجة من الإحتجاجات تتعاطف وتتضامن وتدعو لتقديم مساعدات لذوي الضحية؟

كل عاقل أمام هذه الحالة، يجب أن يفطن إلى الجانب الوقائي في المسألة وليس إلى الجانب العلاجي، لأن العلاج مفقود لو حدثت الواقعة، بل من اللازم استباقها وتفعيل آليات للوقاية منها، ولا نجد في معرضنا هذا إلا فعاليات المجتمع المدني مثلا، فإذا نظرنا حولنا نجد أننا نملك الآلاف من الجمعيات في الكثير من التخصصات والأنشطة، والتي لا نرى منها بعد حادثة من هذه الحوادث، إلا بعض الخرجات التنديدية والهتافات الضخمة والشعارات التضامنية الصارخة عبر الواقع من خلال الخرجات والوقفات، أو عبر العالم الإفتراضي من خلال مواقع التواصل الإجتماعي، وبالتالي يصبح دورها فارغا وأجوفا، دون أن يقدم أي حل عملي، متناسية أن دورها قائم على توعية الناس وتأطيرهم على المستوى القيمي والسلوكي، تفاديا لهذه الحالات التي تتكرر بين الفينة والأخرى.

وقد يقول قائل: كيف نمنع هذه الحالات الغريبة على مجتمعنا وفينا المختلون والمرضى النفسيون؟ وإن كان السؤال صحيحا ومنطقيا، إلا أن الجواب عنه يدور في نفس الفلك السابق، بيد أن دور الجمعيات والمسؤولين في أي موقع كانوا لا يقتصر فقط على التوعية والتأطير، وإنما يتجاوز هذا نحو المراقبة والتنقيب، وفتح الباب أمام كل مريض ليعالَج ويلج المصحات، أو حتى تنظم له جلسات مع مختصين.

ليس هناك من يجهل أن المسألة خطيرة ومن الصعوبة بمكان تقبلها، فالذي يحرق نفسه احتجاجا على وضع معين، إنما يخسر حياته ويضيع معه أسرة من زوج وعيال، وما خفي كان أعظما، فعلى الجميع الحذر والنظر للأمر بعين من المسؤولية والجدية.

نور أوعلي         

باحث في الإعلام والقانون

شارك هذا على :

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!