حقيقة الوطن بين مجانية التعليم.. ومجانية الإنسان!

حقيقة الوطن بين مجانية التعليم.. ومجانية الإنسان!
شارك هذا على :

إذا كنت تعتقد أن التعليم المجاني مكلف فجرب الجهل، ستجد شعبا يتخبط في الظلام الذي حتما سيهوي بالوطن إلى الهاوية، بل وسيدمر كل حاضر وغائب على هاته الأرض، وأولهم من سنوا قانون إلغاء مجانية التعليم. فإن يخرج للشارع شعب مثقف واعي مدرك لحقيقة أمره، خير من أن تواجه شعبا أميا جاهلا قد نخر الفساد عظام جسده فلا يفرق بين صالح وطالح.

خرج ساسة هذا الوطن بقرار إلغاء مجانية التعليم، هي في حقيقة الأمر جريمة نكراء بل مجزرة في حق هذا الوطن، أن تحرم شريحة عريضة من أبناء هذه الأرض من حقهم في التعليم فهو شيء مقرف ولا يمت لحقوق الإنسان بأية صلة، خذ رغيفي وهاك حياتي كذلك لكن إياك وأن تلمس شعرة واحدة من التعليم الوطني، أتدرون ما معنى أن أجمع الدرهم فوق الدرهم كي يتعلم أبناؤنا، أتدرون حقيقة الأمر، بل هل أنتم مستوعبون لفظاعة القضية، أم تراها ستكون حدثا ضمن أحداث سلسلة كم من حاجة قضيناها بتركها ليمر القرار بسلام وتعود حليمة لعادتها القديمة، فبعد أن حل الظلام الدامس على أرضنا وغلا رخيصها وصارت معيشتنا ضنكا يصعب مجاراتها، فقد تم سحق الطبقة المتوسطة التي كانت وقود اقتصاد هذا المجتمع ليزداد الفقير فقرا بسبب قرارات غبية يمكن وصفها بالحقيرة، لتسترسل هاته المهزلة بآخر القرارات السافرة بإلغاء مجانية التعليم، فمعناه أنك ستحرم شريحة عريضة من أطفال هذا البلد من حقهم في التعليم لكون نسبة الفقر قد ارتفعت نتيجة السياسة الحمقاء، معناه أننا سنعود بالزمن إلى الوراء لنجد أنفسنا في عصور الظلام والجهل والتخلف، معناه أننا سائرون في طريق تدمير هذا الوطن هي فرمانات وأوامر صندوق النقد الدولي على المغرب أن يخوصص القطاعات العمومية بجميع أنواعها وأشكالها في إطار ترشيد النفقات ليثبت ولاءه وعزمه في رد ديونه التي تجاوزت الخط الأحمر، فكان من أولى القطاعات العمومية التي تم استهدافها هو التعليم العمومي لكونه القطاع الذي يستهلك النصيب الأوفر من الميزانية العامة للوطن، فبذكاء وحنكة ساستنا العظماء ارتأوا “ما شاء الله عليهم” أن يسوقوا هذا القطاع نحو الخوصصة والقضاء على المجانية بشكل نهائي، أي تحويل هذا القطاع التعليمي الحيوي والذي هو ركيزة المجتمعات الراقية إلى مجال للإستثمار والربح على حساب المواطن ليفقد التعليم روحه وجودته والسبب الرئيسي والأساسي لوجوده؛ فلماذا أصلا سنتجه نحو الإستدانة ونغرق في بحر الديون العريض لنتحمل أوامر وعجرفة صندوق النقد الدولي، ألا نملك ثروات بحرية بملايير الدولارات؟ أليست لدينا ثروات باطنية تغنينا عن كل ديون العالم؟ ثم إذا كنا نريد حقا ترشيد نفقاتنا فهل من الضروري أن نصرف رواتب هذا الكم الهائل من برلمانيين ووزراء ومسؤولين مرموقين مدنيين وعسكريين بسياراتهم وفنادقهم وسفرياتهم وسكنهم و و و؟ فأين هو ترشيد النفقات في كل هذا؟ لماذا سيتحمل المواطن البسيط أخطاء قرارات وسياسات فاشلة؟ لماذا يتم التضحية بمستقبل أطفال هذا البلد وحرمانهم من حقهم في التعليم المجاني في سبيل أن يراكم سياسيونا ثرواتهم ويغتنوا ويملؤوا حساباتهم البنكية أكثر فأكثر. لماذا إذا سيدفع المواطن الضرائب بشتى أنواعها إذا كانت الدولة تتهرب من واجبها، فالمواطن يدفع الضرائب ليستخلص ذاك الشرطي راتبه من أجل حمايته، وليستخلص ذاك الطبيب راتبه من أجل تطبيبه، وليستخلص المعلم راتبه من أجل تدريس أبنائه، فما دام أن التعليم سيخوصص وسيتحول إلى مشروع استثماري فلا داعي إذن لتأدية الضرائب، أليس هذا هو المنطق؟

ينص الدستور المغربي في الفصل 32 على أن التعليم الأساسي حق من حقوق الطفل وواجب على الأسرة والدولة، كما أن حق التعلم هو مضمن في المادة رقم 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المادة رقم 13 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وقد تم تأكيد حق التعلم مجددا عام 1960 في اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في التعليم، وفي عام 1981 في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وفي عام 2006 في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في أوربا، المادة رقم 2 من البروتوكول من تاريخ 20 مارس عام 1952 والإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تنص على أن حق التعلم هو معرف كحق من حقوق الإنسان ويفهم لتأسيس الحق في الحصول على التعلم بالإضافة إلى بنود الحصول على التعليم، يشمل حق التعليم أيضا الإلتزام بإبعاد التمييز عن جميع مراحل النظام التعليمي، ووضع معايير للحد الأدنى وتحسين جودة التعليم، أفبعد كل هذا لا زالت لديكم نية أن تجعلوا من تعليمنا سوقا للنخاسة يباع فيها التلميذ ويشترى؟

ألمانيا كانت البادئة بفكرة تعميم التعليم المجاني منذ عام 1840 وبعده جعلته إجباريا ووظيفة من وظائف الدولة، ولأهمية التعليم الإلزامي تم تطبيق الإلزام في ولاية “ماسوشيتس” في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1852، أما فرنسا فقد شرعت في تطبيق قانون التعليم الإلزامي العمومي المجاني عام 1882، واعتمدت عليه لتثبيت نظام الحكم الجمهوري ولبث الروح الوطنية والقومية من جهة أخرى، أما الإتحاد السوفيتي السابق فلم يطبق الإلتزام إلا عام 1930، والمضحك المبكي في الأمر أنه لو أخذنا مثلا كوكب اليابان سنجد ان معظم المدارس الإبتدائية في اليابان هي مدارس حكومية ولا يتعدى نسبة المدارس الخاصة 1% حيث أن المدارس الخاصة مكلفة على المدارس الحكومية، هاته هي سياسة هذا البلد الراقي والذي لا يمكن أن نصل إلى عشر ما هو عليه اليوم بالتأكيد، وذلك نتيجة الإرادة السياسية والشعبية الحقيقية والتي بها يمكن أن نحقق المستحيل.

لكن ما دام في بلداننا المتخلفة ساسة ومسؤولون يقدمون مصالح مؤخراتهم العفنة عن مصلحة أطفال وأبناء الوطن ويضعون مصالحهم الشخصية فوق أي اعتبار، فبالتأكيد سيكون مصيرنا الأسوأ لا محالة، هذه هي نتيجة الخضوع والخنوع والذل، هذه هي نتائج صناديق الإقتراع الحقيقية، وهذا ما يستحقه شعب رضي بأن يكون دمية “ماريونيت”.

لذا وأمام هذه الجريمة البشعة في حق التعليم العمومي وجب على جميع المواطنين الغيورين على مصلحة هذا الوطن والقائمين على بناء مستقبل أفضل وأجمل لأبنائنا والأجيال القادمة بالوقوف وقفة رجل واحد أمام فضيحة إلغاء مجانية التعليم بالمغرب، هاته الجريمة النكراء التي يتم حبك مخططها داخل دهاليز الحكومات بأنواعها والتي تعكس عجز وفشل الدولة في تسيير هذا القطاع الحساس جدا والذي سيحرم شريحة عريضة وواسعة من الشعب المغربي في حقه بالتعليم العمومي.

بل وجب المطالبة بجودة في التعليم وإلزاميته وتحمل الدولة مسؤوليتها في الإشراف على هذا القطاع، لأنه دون تعليم مجاني وقوي فإننا سنكون مجتمعا من الحيوانات الناطقة التي سيتجذر فيه التخلف والفساد أكثر مما هو عليه اليوم، لتساق كالأنعام دون أدنى رد فعل، فلن تسامحنا الأجيال القادمة إذا ما مر هذا القرار وسنكون وصمة عار في جبينهم لتصلنا رحماتهم بوابل من اللعنات والسخط الإجتماعي.

يونس حسنائي

شارك هذا على :

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!