عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي: أسباب وخلفيات

عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي: أسباب وخلفيات
شارك هذا على :

بحلول سنة 2017 يكون المغرب قد مر على انسحابه من منظمة “الوحدة الأفريقية” 32 سنة التي تحولت في ما بعد إلى “الاتحاد الأفريقي”، المغرب عاد ليطالب بمكانه الشاغر في المنظمة الإفريقية. وإن لم يحدد المغرب شروطاً مسبقة للعودة، إلا أنه جدد التأكيد على “خطأ” المنظمة في قبول عضوية جبهة البوليساريو سنة 1984.

وتنص قوانين المنظمة الأفريقية على أن عضويتها مفتوحة للدول الأفريقية المستقلة ذات السيادة، شريطة أن تؤمن هذه الدول بمبادئ المنظمة المتمثلة في سياسة عدم الانحياز. وفي حال انضمام عضو جديد، يقرر قبوله بالأغلبية المطلقة للدول الأعضاء. كما يسمح لكل عضو بالانسحاب من المنظمة بطلب انسحاب خطي، ويصبح الانسحاب نافذاً بعد مضي عام.

وانسحب المغرب، بقرار من الملك الراحل الحسن الثاني، من منظمة الوحدة الأفريقية التي أنشئت في 25 مايو 1963، وذلك رداً على انضمام ما يسمى “الجمهورية الصحراوية العربية” إلى المنظمة في نوفمبر 1984، ليكون المغرب بذلك البلد الأفريقي الوحيد الذي لا ينتمي إلى منظمة الاتحاد الأفريقي التي حلت بديلاً لمنظمة الوحدة الأفريقية.

واعترض المغرب في عام 1984 على قبول منظمة “الوحدة الأفريقية” لعضوية جبهة البوليساريو التي تقدمت بطلب العضوية على أساس تسميتها بـ”الجمهورية الصحراوية”، مستدلاً بأنها لا تتوفر على شرط “الدولة المستقلة وذات السيادة”، باعتبار أنها مجرد جماعة تطالب بانفصال الصحراء عن سيادة المملكة المغربية.
وأسفر غضب المغفور له الحسن الثاني من قرار قبول عضوية البوليساريو عن انسحاب المملكة من المنظمة في عام 1984، واختيار سياسة المقعد الشاغر منذ ذلك الحين وإلى حدود انعقاد الدورة السابعة والعشرين للمنظمة في العاصمة الرواندية كيغالي، إذ طلب المغرب العودة رسمياً إلى المنظمة.

ويوضح مراقبون أن السبب الذي دفع المغرب إلى اتخاذ قرار الانسحاب من المنظمة والمتمثل في عضوية “الجمهورية الصحراوية” لا يزال قائماً إلى اليوم، إذ لم يتم بعد طرد ولا تجميد عضوية البوليساريو من المنظمة، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عن المتغيرات التي دفعت الرباط لطلب العودة إلى هذه المنظمة الأفريقية. ويذهب محللون إلى القول إن عودة المغرب لا ينبغي أن تولد الاقتناع بأن الانسحاب من منظمة الوحدة الأفريقية كان مجرد “خطأ في التقدير” وبالتالي حان الوقت لتصحيحه، لكون سبب الانسحاب لا يزال قائماً.

من جهته، لم يتردد العاهل المغربي، الملك محمد السادس، في الإجابة ضمنياً عن هذه التساؤلات ضمن رسالته التي وجهها إلى الرئيس التشادي، إدريس ديبي، الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، بالقول إنه “يمكن علاج الجسم المريض من الداخل بنجاعة أكبر من علاجه من الخارج”.

وأضاف العاهل المغربي أن “أصدقاءنا يطلبون منا منذ أمد بعيد العودة إلى صفوفهم، حتى يسترجع المغرب مكانته الطبيعية ضمن أسرته المؤسسية، وقد حان الوقت لذلك”، مشدداً على أنه “لا يمكن للمغرب أن يظل خارج أسرته المؤسسية، ولا بد له من استعادة مكانه الطبيعي والشرعي داخل الاتحاد الأفريقي”. ووصف العاهل المغربي قرار طلب الرباط العودة إلى الاتحاد الأفريقي بكونه “قرار تاريخي ومسؤول، وسيعمل المغرب من داخل الاتحاد الأفريقي على تجاوز كل الانقسامات”، لافتاً إلى أن “المغرب على الرغم من انسحابه من منظمة الوحدة الأفريقية، فإنه لم يغادر أبداً أفريقيا، وإنما انسحب سنة 1984 في ظروف خاصة”.
في موازاة ذلك، أبدت المملكة التزامها بالتحرك من داخل منظمة الاتحاد الأفريقي، بشكل أفضل من التحرك من خارج المؤسسة. وقال الملك المغربي “يمكن للمغرب بفضل تحركه من الداخل، أن يساهم في جعل المنظمة أكثر قوة، تعتز بمصداقيتها، بعد تخلصها من مخلفات الزمن البائد”.

ولإبراز “القيمة المضافة” التي يمكن للرباط أن تقدمها لمنظمة الاتحاد الأفريقي بعد 32  سنة من الانسحاب واعتماد سياسة المقعد الفارغ، أكد العاهل المغربي أنه في إطار هذه العودة، “يعتزم المغرب مواصلة التزامه بخدمة مصالح القارة الأفريقية، وتعزيز انخراطه في كل القضايا التي تهمها، والمساهمة، وبشكل بناء، في أجندة الاتحاد وأنشطته”.

ويبدو أنه من العوامل التي دفعت المغرب إلى اتخاذ ما يصفه مراقبون بـ”القرار الشجاع” التراجع الكبير في عدد البلدان الأفريقية التي تعترف بـ”الجمهورية الصحراوية”.
من بين البلدان الأعضاء في المنظمة الأفريقية لم تعد سوى عشر دول تعترف بالبوليساريو، التي تطالب بتقرير مصير ما تسميه “الشعب الصحراوي”، من خلال المطالبة بتنظيم استفتاء، مقابل إصرار الرباط على إرساء الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الصحراوية. وقررت مجموعة من البلدان سحب اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية”، آخرها زامبيا التي قطعت قبل أيام قليلة علاقاتها الدبلوماسية مع البوليساريو.

في المقابل، لا تزال الجبهة، التي تشهد حالياً مرحلة انتقالية في مسارها بعد وفاة زعيمها محمد عبد العزيز وانتقال زعامتها إلى القيادي في الجبهة إبراهيم غالي، تحظى باعتراف دول أفريقية قليلة تضاءلت بشكل كبير منذ سنة 2000، أبرزها أنغولا، وجنوب أفريقيا، والجزائر، ونيجيريا.

وبقرار الرباط العودة إلى منظمة الاتحاد الأفريقي تجد الدبلوماسية المغربية نفسها تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في إقناع دول المنظمة بطرد أو على الأقل تجميد عضوية “الجمهورية الصحراوية”. ولا ينص القانون المؤسس لمنظمة الاتحاد الأفريقي على أية آلية تفضي إلى طرد أو تجميد دولة ذات سيادة من هذه المؤسسة، حيث يتضمن القانون ثلاثة وثلاثين مادة تشير إلى عدد من التدابير الزجرية والعقابية في حالة حصول مخالفات، لكن هذه العقوبات لا تنص على قرار الطرد أو تجميد العضوية.
ولا تساير سياسة “الكرسي الشاغر”، التي فضلها المغرب سابقاً على الحفاظ على عضويته داخل المنظمة الأفريقية، السياقات الجيوسياسية الراهنة التي باتت تحظى بها القارة السمراء، حيث باتت المنظمة المشكلة لبلدان المنطقة مخاطباً رئيسياً لدى عدد من القوى والتكتلات الدولية، من قبيل الاتحاد الأوروبي، والمنتدى الصيني الأفريقي، والمنتدى الهندي الأفريقي، والأمم المتحدة.

ويظهر أن خطاب الملك الراحل الحسن الثاني في 12 نوفمبر 1984 عندما اتخذ قرار انسحاب المغرب من المنظمة الأفريقية، وقال فيه إن “المغرب بلد أفريقي بانتمائه، وسيبقى كذلك، وسنظل نحن المغاربة جميعاً في خدمة أفريقيا”، وجد صداه في قرار نجله الملك محمد السادس بالعودة إلى أحضان المنظمة الأفريقية، ليترجم بذلك توجه الدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة، بالاهتمام أكثر بعلاقات المملكة مع دول القارة السمراء، ولا سيما في بُعدها الاقتصادي والتنموي.

بشرى كندوز

دكتورة باحثة بسلك الدكتوراه بجامعة عبد المالك السعدي

شارك هذا على :

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!