لا فأر ولا آلة..

لا فأر ولا آلة..
شارك هذا على :
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ۩ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۩ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۩ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ۩ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۩ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ۩ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ۩ قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ۩ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
لا يصلُ الإنسانُ إلى الله إلا بالناس، إلا بالخلق، ماذا يُمكِن أن يبقى من إنسانية إنسان أو يُنتَج أو يخرج من إنسانية إنسان كان حظه وقدره أن يُلقى مُنذ ساعاته الأولى في جزيرةٍ نائية في عُرضِ مُحيطٍ بعيد، وهى جزيرة ليس فيها إلا الأشياء، ليس فيها شيئٌ من الحيوان؟ أحسبُ أن أقصى ما يُمكِن أن يُحاوِله هذا الإنسان المنبوذ – وقد نُبِذَ نبذاً بعيداً – أن يسعى نحو معرفة الله صاحب هذا المُلك الذي خلقه وأبدعه وأتى به، ولكن المعرفة تبقى ناقصة، تتوسَّل الآيات التي ليس فيها الحياة بالمعنى الذي ندري، فهو سيعرف الله عبر الأشياء، ولذا تبقى معرفة ناقصة حتماً.
ماذا لو أُضيفَ إلى الأشياء مظاهر الحياة النباتية ثم الحيوانية؟ ستترقى معرفتهُ بالله تبارك وتعالى، أعتقد عبر الحيوان بالذات وليس النبات سيُدرِك هذا الإنسان لأول مرة مفهوم الشعور، لأن الحيوان يُبدي استجابة – Response – سواء للسلوك المُلاين الطيب الحنون أو للسلوك النابذ القاسي المُسيء، فسيُدرِك بطريقة المرآة وبطريقة الانعكاس مفهوم الشعور عبر هذه الاستجابة، وهذا سيفتح له طريقاً ونافذة أو روزنة أو باباً جديداً لمعرفة الله تبارك وتعالى، فتترقى هذه المعرفة.
ماذا لو حلَّ ضيفاً – أي ضيوفاً – بهذه الجزيرة أنفارٌ من البشر – من بني الإنسان، أي منا – واختلط بهم ولابسهم وواكلهم وشاربهم وحصل بينه وبينهم ما يحصل في الاجتماع البشري؟ قطعاً وليس ترجيحاً ستترقى معرفته بالله أكثر.
أحسب أننا أشرنا وأومأنا إلى هذا المعنى من طرفٍ خفيٍ في آخر الخُطبة السابقة، يقول الله لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ۩، فينبغي أن تُفسَّر مثل هذه الآية ولها أمثال ونظائر في كتاب الله في موضوعاتٍ شتى مُختلِفة على نحوٍ لا يُؤكِّد ولا يُعزِّز جاحدية الإنسان، لكن بعض الناس بمثل هذه الطريقة المُعزِّزة للجاحدية يزعم أنه لا يعترف بالفضل إلا لله وحده، ولذلك بعض الناس لا ينقم منك إلا أنك أحسنت إليه، يقول عليه الصلاة وأفضل السلام هل ينقمُ ابن جَميل إلا أن أغناه الله مِن فضله ورسوله؟ زاد مرارة وزاد تنكراً وزاد جاحديةً لأن الرسول أعطاه وأجزل له العطية، ولو أتينا إلى هذا الإنسان الذي لن أصفه بأوصاف دينية ولكن سأجتزيء بالوصف غير الواعي بذاته – واضح أن هذا الإنسان غير واعي بذاته – سنجد أنه يخضع لصور من العُصاب Neurosis، فهذا الإنسان معصوب Neurotic، وطبعاً العُصاب شائع جداً في البشر وهو مُتعدِّد المناشيء، ليس فقط العُصاب الفرويدي التقليدي السيكولوجي المنشأ، فهناك عُصابات جسمية المنشأ، فمثلاً الـ Agoraphobia – أي الخوف من الأماكن المفتوحة – نوع من الرُهاب يُصيبُ بعض الناس ومنشأه زيادة الدرقية، زيادة الثيروكسين Thyroxine، أي زيادة إفراز الغُدة الدرقية، فإذن هذا واضح أن لا علاقة له بسيجموند فرويد Sigmund Freud إطلاقاً، هذا نفس العُصاب عُصاب ولكنه جسمي المنشأ، وطبعاً هناك عُصابات أو أعصبة – إن جاز الجمع – روحية المنشأ وهى التي لا يشاء ولا يُحِب ولا يود العلم ذو الأساس المادي المُتنكِّر للغيب وللماوراء ولله والشرائع أن يعترف به وهو العُصاب روحي المنشأ، أي عُصاب المعنى وعُصاب الروح ذو الصبغة الأخلاقية، فهم لا يعترفون بهذا، يعترفون فقط بالأول ثم يُضيفون الثاني على مضض لأنه يُخلخِل الثقة بحصرية الأول، لكن غير صحيح أن كل العُصابات نفسية المنشأ، فهى نفسية وبدنية وروحية، قال الله وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ۩، يقولون الضمير والشعور بالذنب، ها هو الإنسان وقد بُسِطَ له في مجال الحرية ما لم يتفق في العصور السابقة كلها في التاريخ البشري على طوله وإلى اليوم يُعاني مُعاناة شديدة وأليمة بسبب أيضاً الشعور بالذنب – Guilt – والإثم ولا يستطيع أن يتحلَّل من هذا لأنه كائن لو كان يعلم – لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ۩ – روحي – وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ۩ – رغماً عنه، وهذه مقولة خبرية، ولا يُمكِن أن يُكذِّب الخبر بالإنشاء وبالإرادة وبالهوى، كأن يُقال نُريد له ألا يكون، فلن يكون هذا وسيبقى روحياً على الرغم منه، ولكنه بهذا الإنكار سيُعاني مُعاناة مُزدوَجة، سيُعاني مُعاناة على مُستوى الشعور وسيُعاني مُعاناة على مُستوى الفهم، ضبابية الفهم وتغبيش الفهم لأنه لن يفهم ماذا يحدث، علماً بأنني سأُوضِّح هذا المعنى وإن كان يبدو مُغلَقاً ولكنه بالعكس هو معنى عميق جداً ويُمكِن أن يُوضَّح بالمثال الذي سأقتبسه من باب رد الفضل إلى أهله من عالم النفس النمساوي الناجي طبعاً من المحرقة فيكتور إميل فرانكل Viktor Emil Frankl.
فرانكل Frankl كان يُؤمِن بتعددية أبعاد الإنسان، لكن عند قراءتي لأعماله رأيت أن الرجل – وشأنه في هذا شأن غيره من العلماء هنا في الغرب الأوروبي والأمريكي – يرتجف ويرتعد كلما أفضى به البحث والتحليل والتقصي والخبرة العلمية إلى تخوم الدين، وهو عالم وطبيب أعصاب كبير جداً جداً جداً، وقد اخترع عقارات مُعيَّنة وأنواع من المُهدِّئات، وهو تقريباً إلى حد بعيد جداً مُؤسِّس العلاج العلاج بالمعنى Logotherapy، فهو مُؤسِّس هذه المدرسة وهو من أعمدة مدرسة علم النفس الوجودي الإنساني، والنمساوي المعروف فيكتور إميل فرانكل Viktor Emil Frankl تُوفيَ سنة سبع وتسعين وألف وتسعمائة وقد جاوز التسعين من عمره، وهذاالرجل كان يُؤمِن بأشياء ولكن لا يود إطلاقاً أن يُصرِّح بها لأنه سيُحطَّم للأسف الشديد، فقبله الهرم الكبير السويسري – هذا ليس مُجرَّد عالم عادي – كارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung وهو صديق وزميل سيجموند فرويد Sigmund Freud وجد بتقصياته وأبحاثه أن كل هذه المُقارَبات مُقارَبات ساذجة جداً للإنسان – مثل مُقارَبات أدلر Adler وفرويد Freud – لأن الإنسان أعمق من هذا بكثير، وطبعاً أيقن كارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung أن الإنسان ذو أبعاد روحية غائزة جداً، وهو يجد جوهره وحقيقته في هذه الأبعاد الغائرة، وعاش الشطر الآخر من عمره يبحث في هذه المسائل ولكن منعته هيبة المُجتمَع العلمي – الدوائر العلمية والمُؤسَّسات العلمية والمادية العلمية – أن يبوح بكل ما لديه، باح ببعضه وسكت عن بعض وأعرض عن بعض وأورثه في كتاب طُبِع بفضل الله – تبارك وتعالى – إسمه الكتاب الأحمر، علماً بأنه طُبِعَ قبل بضع سنوات فقط وكان مُوصَداً عليه في خزانة أو في بنك في سويسرا، لماذا؟ لأن هذا الكتاب سينسب صاحبه مُباشَرةً إلى الخُرافة وإلى أوهام المُتدينيين وسيُعيدها جذعة قضية الدين والروح، وهذا شيئ غريب، حيث تُوجَد سطوة علمية مادية رهيبة، ومن هنا يجب أن ننتبه لأن لا مجال لقضية الحقيقة والحقيقة الموضوعية والموضوعية العلمية، فكل هذه للأسف أصبحت أوهاماً، ولذا لا تُوجَد حرية، ولكن ينبغي أن يكون هناك حرية حقيقية، وهذا هو فرانكل Frankl الذي كلما انتهى به البحث إلى تخوم الدين – وفي الحقيقة حتى إلى أعماق الدين – يقول هذا ليس من الدين وأنا لا أقصد معنىً دينياً رغم أنه يتكلَّم في لُب المسألة الدينية، لكنه حين يتكلَّم عن البُعد الروحي للإنسان يقول حتى الروح لا أقصد بها المعنى الديني، لكن هو هذا، هو نفس الشيئ ونفس المعنى، وعلى كل حال هناك رهبة، وأنا أُشفِق على هذا الرجل حين أقرأ له، فهو مثله مثل غيره، رجل مسكين يُعاني، وسوف أستعين من فرانكل Frankl تشبيهاً مُوحياً وعميقاً ومُبسِّطاً لهذا المعنى الذي قد يبدو غامضاً، فهو يقول أن “وحدة الإنسان في عمقها وفي تراتبيتها حين يتم إسقاطها على أبعاد أقل منه فإنه يفقد تركيبه ويفقد بعض عُمقه”، حيث تُوجَد مجموعة طبقات – Layers – الإنسان، فهو ليس طبقة واحدة، وصحيح أن فرويد Freud كان يعترف أنه يبحث في القبو Basement – Keller بالألماني – كما كان يقول – يقول أنا أبحث في القبو Basement – لكن هل يُؤمِن أن هناك الطابق الأول والثاني والثالث وربما العاشر، وهو طابق الروح؟ حين أتى إلى هذا الطابق الأعلى – طابق الروح – قال “الأديان كلها مُجرَّد عُصاب البشرية” أي الـ Neurosis الخاص بالجنس البشري، وهنا فرويد Freud كان اختزالياً ويبدو أنه أصر على أن يجعل الإنسان فقط يتوفَّر على القبو والطابق الأول، فالإنسان الفرويدي عمارة قميئة صغيرة لا تليق بالإمارة الإنسانية وبالمملكة الإنسانية، لكن نحن ملوك ونحن مَن سُخِّر لنا هذا الكون كله – سماواته وأرضه جميعاً منه لا إله إلا هو – ونحن على هرم هذا الوجود المخلوق المُحدَث وأسياد هذه العوالم والكوائن كلها، وكما كان يقول الإمام المُجدِّد محمد عبده “الإنسان عبدٌ لله وحده، سيدٌ لكل شيئٍ بعده”، وهذا شيئ عجيب، لكن هذا منظور إسلامي، وبالمُناسَبة كارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung الذي ذكرته قُبيل قليل وأيضاً فيكتور إميل فرانكل Viktor Emil Frankl كانا يُصِران دائماً على أن ما مِن نظرية أو حتى تقنية أو أي فنيات في العلاج إلا تستند على منظور فلسفي للإنسان، وكانا يُؤكِّدان على أهمية مُساءلة ومُراجَعة هذا المنظور الفلسفي للإنسان، وفرانكل Frankl يقول هنا مُتسائلاًكم يُبقي من إنسانية الإنسان؟ كم يُبقي؟ وطبعاً كل الاختزالية المادية والتحليلية النفسية الفرويدية وحتى الأدلرية – نسبة إلى أدلر Adler – يكون فيها الإنسان دائماً هو المدفوع – الإنسان فقط مدفوع – فقط، ولذلك لديك نموذجان اثنان، إما نموذج الآلة الـ Machine وإما نموذج الفأر الـ Mouse، فالإنسان إما حيوان وإما آلة، لكن هذا غير صحيح يا حبيبي، الإنسان ليس حيواناً وليس آلة، الإنسان هو خالق الآلة وصانع الآلة ودارس الحيوان، الإنسان هو المُتعالي على نفسه أصلاً، وسوف ترون بعد قليل هذا، فالخُطبة جاءت لتُؤكِّد هذا المعنى بالذات.
أنا أعرف إنسانيتي وأُعيِّرها وأختبرها وأتبرهن بماذا؟ حين أتجاوز نفسي، وهذا ما يُسمى بالانفصال ليس فقط عن الظروف والشروط بل الانفصال حتى عن الذات Self detachment، لكن كيف يُمكِن لي أن أنفصل عن ذاتي إذا كنت مُجرَّد كتلة مادية راقية؟ ما هو المنُفصِل وما هو المُنفصَل عنه؟ ما السر وما القدرة لهذا المُنفصِل أن ينفصل وأن يُلقي الأضواء الهادية على هذا الذي تم الانفصال عنه؟ فالإنسان ضمن سياقاته المُنفصَلة عنه وضمن شروطه المادية والمعنوية يستطيع أن يفعل هذا، وطبعاً الإنسان هو الوحيد الذي يقدر على أن يجعل نفسه ويتخذه من نفسه موضوعاً – Object – ويدرس نفسه، وهنا سر قسم الله بالنفس اللوامة.
بالأمس يُحدِّثني أحدهم عن امرأة لدي الكثير من حديثها عبر مُحدِّثي هذا وقال لي كيف أنها تظلم كنتها – زوجة ابنها – ظلماً بيناً جهاراً عياناً بياناً نهاراً، وهذا شيئ مُخيف، لكن زوجة الابن هذه قمة من قمم الأدب وقمة من قمم الطاعة وقمة من قمم التهذيب وقمة من قمم التفاني، فهى تُعطي كل ما لديها وهى صامته ثم لا تأخذ إلا على رأسها ويُقال لها “لا جزاكِ الله خيراً، ما أسوأكِ من امرأة، أرانا الله فيكِ وفي أولادك – الذين هم أولاد ابنها، أي أحفادها – ما يسوءك، الله وحده يعلم كيف يُجازيكِ”، وهذا شيئ مُخيف، فقلت لمُحدِّثي هذا شيئ عجيب، أنا هذا أكثر ما يُثيرني، حيث يُمكِن أن يصل الإنسان غير الواعي بنفسه فعلاً إلى درجة من العمى جنونية، إلى درجة – والله – لا يتوفَّر عليها الحيوان، بالله العظيم الحيوان المُفترِس أحياناً يرق، وقد رأينا في مشاهد طبيعية فعلاً كيف يرق الحيوان المُفترِس أحياناً حين يسطو بالأم أو بالأدب فيحنو، وقد رأيتم كيف حنا الفهد – Leopard – على القرد الصغير وأخذه وسهر معه ليلة بطولها لأنه أعدمه أمه، فهذا الحيوان أدرك أنه أخطأ وأنه جاوز الحد في حقه لكن الإنسان لا يُدرِك، لكن الإنسان – مثل هذا الإنسان ومثل هذه المخلوقة Creature – يسحقك، فمثل هذه المخلوقة مُستحيل أن تكون إنسانة حقيقية، هذه معصوبة من رأسها إلى قدمها، مليئة بالعُصاب ومليئة بالعمى، والشيطان لا ينتظر من أيٍ منا أكثر من هذا، فهذا أكثر وأحسن ما ينتظره الشيطان، وهو أن تعمى عنه نفسك وأن تعمى عن أخطائك وأن تظن أنك أنت الكامل، فمثلك مُرصَد للعنة، ولذا علينا أن ننتبه إلى أن الآخر الذي ينفصل عن نفسه ويدرس نفسه ويقول “أنا هنا أضأت وأنا هنا أظلمت، أنا هنا أحسنت وأنا هنا أسأت جداً، أنا هنا صدقت وأنا هنا كذبت ونافقت وداهنت، أنا كذلك” هو الذي أقسم الله به، لكن من غير ما يتعدى به الأمر إلى الجلد المرضي للذات، فهو لديه استبصار حقيقي، استبصار بدوافعه وبنواياه وبقصوده، ثم أنه يقوم بإعطاء علامات هنا بالـ Minus وهنا بالـ Plus وما إلى ذلك ثم يرى بعد ذلك النهاية العُظمى، فيا سلام عليه، هذا الذي أقسم الله به حتى لو كان مُذنبِاً، فالله يُقسِم بمَن؟ يُقسِم بهؤلاء المُذنِبين، قال الله وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ۩، فهى تلوم على ماذا؟ هل تلوم على أنها تصدقت وصامت؟ لا طبعاً، تلوم على أنها أذنبت وقصَّرت وكذبت وتجاوزت وظلمت ولكنها لا ترضى بهذا ولا تقنع بهذا، فالضمير يتحرَّك هنا، وويلٌ لمَن لا ضمير له، قال رسول الله مَن كان له من قبله واعظٌ كان عليه من الله حافظ، فاللهم احفظنا بحفظك بتبصيرنا بأنفسنا وبأخطائنا قبل حتى صواباتنا، وعلى كل حال الله أقسم، تقول الآية الكريمة وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ۩، وتحدَّثت مرة عن واوات الفرقان وقلت إن كانت الواو ليست للاستئناف بحسب الظاهر مثل – وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ۩ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ۩ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ۩ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ۩ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ۩ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۩ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۩ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ۩ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ۩ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ۩ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ۩ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ۩ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ۩ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ۩ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ۩، فالله قال أكثر من مرة وَالَّذِينَ ۩، تُوجَد ثمان صفات كلها ليست على الاستئناف وإنما على العطف – فكل هؤلاء عباد الرحمن، ونفس الشيئ في هذه الآيات التي تقول وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۩ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ۩ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۩ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ۩، فالله قال وَالَّذِينَ ۩ أكثر من مرة، وهى إن لم تكن للاستئناف والظاهر أنها للعطف فإذن لا يمنع أن تكون من المُتقين ومن جُملة المُتقين أنك قارفت كبائر الذنوب، وهذا أمر عجيب، فما أرحم الله وما أجمل هذا الدين وما أجمل هذا الكلام، والله أتكلَّم ويقشعر بدني الآن، لكن هل تعرفون لماذا؟ تذكَّرت المثال والمجاز – Metaphor – الشهير الذي يضربه الإمام الغزالي وابن الجوزي وسائر علماء ووعاظ المُسلِمين الأفاضل رضوان الله عليهم أجمعين، أمثلة ومجازات – Metaphors – تُحطِّم الإنسان، تُحطِّمه فعلاً، وكم سمعت هذا من صالحين في حياتي، وهذا يُتعِب الإنسان، فهم يُعلِّمون ويُدرِّسون ويعظون “ليس مَن ثوبه سليم كمَن مزَّق وخاط ورقع”، أي أنه هذا لم يُذنِب فثوبه سليم على عكس ذاك، لكن مَن قال لك أن النفس الإنسانية على هيئة الثوب وعلى هيئة المواد والأشياء؟ مَن قال لك أن ليس فيها قوة خلّاقية وقوة نشوئية وقوة يُمكِن أن يُقال أنها تقوم بما يُعرَف بإعادة التخليق وإعادة الترتيب – أي تعمل Resetting – فيُصبِح الإنسان Regenerated؟ هذا مُمكِن لأن هذه النفس فيها هذه القدرة، وهذا لاحظناه في صفوة من أولياء لله كانوا قطّاع طرق وكانوا قتلى مُجرِمين ولكنهم أصبحوا من رؤوس أولياء الله بل ويُضرَب بهم المثل كالفُضيل بن عياض، ماذا نتحدَّث عن عمر بن الخطاب؟ كيف كان عمر وكيف أصبح عمر في الإسلام؟ هذه عظمة رحمة الله تبارك وتعالى، الله قال أن هذا لا يمنع، تقول الآية الكريمة وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۩ وطبعاً مُحال أن تصل إلى الله بالفاحشة أو ظلم النفس – هذه زندقة – وإنما يُمكِن أن تكون طريقاً، لكن كيف هذا؟ شقيت أنت وأخطأت وزلت بك القدم ولكنك عُدت، وهذا أيضاً يُذكِّرني بشيئ هزني هزاً عميقاً، حيث استمعت لمُحاضَرة للمُهتدي البديع والرجل الجميل.
وبروفيسور Professor الرياضيات الأمريكي جيفري لانج Jeffrey Lang وهو يتحدَّث بطريقة مُؤثِّرة جداً عن قصة آدم، وأنصحكم بأن تُلاحِظوا هذه المُحاضَرة وأن تُشاهِدوها، فهى حوالي ساعة للزمن، يقول فيها “منظور التوراة – الكتاب المُقدَّس – لخطيئة آدم – تُسمى الآن ماذا؟ الخطيئة الموروثة – أثَّرت على الجنس البشري كله، فكلنا نُعاني من آثار الخطيئة الموروثة، ومنظور الكتاب المُقدَّس نحوها معروف، فهذه خطيئة مُميتة – إسمها خطيئة مُميتة وسبَّبت ماذا؟ ما يُعرَف بالسقوط عندهم في الأدبيات الـ Biblical التي أشرنا إليها، والسقوط يعني أن الإنسان سقط من أعلى السماء إلى هذه الأرض الدُنيا السُفلى بالخطيئة، لذا هى خطيئة فظيعة مُميتة- بالنسبة لهم، لكن لما أتيت إلى سورة البقرة وقرأت فإذا بالقرآن يقول فَأَزَلَّهُمَا ۩ـ أي أنها زلة Slip، فقلت زلة؟ ما هذا؟ -، أي أن الرجل صُعِقَ، لكن طبعاً الله يقول هذه زلة وقد استغفر آدم وغفرنا له وانتهى كل شيئ، فيا سلام، هذا منظور أوسع جداً لرحمة الله ولحنان الله ولحُب الله لعباده ولحرصه – لا إله إلا هو – على نجاتهم، أي أن ينجوا مهما كانت الخطيئة وبتكليف في الظاهر طبعاً، فكأنه تكليف مُباشِر من رب العزة، تقول الآية الكريمة وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ۩ وإلى آخره ومع ذلك أخطأ آدم، لكن الله يقول هذه زلة، فهو انزلقت قدمه، لذا هذه زلة – Slip – وليست خطيئة مُميتة.
نفس الشيئ في آيات آل عمران وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً – الله يقول فاحشة، هذه كبائر الذنوب – أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ۩، فانظر إلى التركيب العجيب، ما معنى وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ۩؟ معناه بصراحة تضامنياً أن الله أكبر من هذا الذنب، كأنه يقول ما هذه الذنوب؟ أنا أكبر منها تماماً ومن العادي أن أغفرها، لكن كيف يكون الله أكبر منها؟ برحمته – بصفة رحمته – وبعفوه وبكرمه وبتسامحه معنا، فلا تُوجَد مُشكِلة، تُب وستعود لتكون – إن صححت التوبة وتحققت بها، أي توبة نصوح، فلابد أن تكون توبة نصوحة – من جُملة المُتقين، يا الله، من جُملة المُتقين ومُرصَد لي جنة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۩؟ قال لك نعم هذا عادي بالنسبة لي.
يا سلام، هذا شيئ جميل، هذا هو الإنسان إذن، ولذلك لا ينبغي علينا إلا نفهم عكس هذا، والآن أُقارِن مرة أُخرى بمجاز أو مثال مَن خاط ورقع، فهم قالوا لك أن ثوبك تمَّزق وأن لك رقعة، فأنت مُرقَع الآن، لكن هذا غير صحيح بعون الله تعالى، بل في بعض الآثار وإن كانت ضعيفة – أنا أقول لكم أن هذا المعنى الضعيف يشهد له كتاب الله بمثل هذه الآي الكريمات – إذا تاب العبدُ وصدق في توبته أمر المَلك فمحا ذنبه من صحيفة عمله ثم أنسى المَلك ذنبه – المَلك حتى ينسى أن هذا العبد أذنب – وأنسى الأرضَ التي فعل عليها الذنب ذنبه، أنسى كل شاهد شهد على هذا الذنب ذنبه، العبد نفسه الله يُنسّيه ذنبه، حتى لا يخجل يوم القيامة وحتى لا يخجل عند الحساب والمُناقَشة، لكن لماذا؟ لأنه صدق التوبة مع الله تبارك وتعالى، فإذن كل شيئ انتهى وعفا الله عما سلف.
قبل أيام أشرح لبعض إخواني شيئاً فطرح علىّ مسألة أو طرح علىّ سؤالاً وقال لي مُتسائلاً كيف أن عبداً قضى ستين أو سبعين سنة في الكفر وأسلم اليوم ومات اليوم يسبق مُسلِماً يوم القيامة قد يكون قضى في الإسلام سبعين سنة بعد أن صلى وحج واعتمر وصام وأساء طبعاً وأذنب وقصَّر وقد ترجح سيئاته بحسناته فيدخل النار؟ وهذا المنطق القرآني، منطق القرآن ميزان فلا تلعب ولا تُوهِم نفسك، يُوجَد ميزان فتُوزَن الحسنات وتُوزَن السيئات، وهناك احتمال وارد أن السيئات ترجح بالحسنات فيدخل صاحبها ماذا؟ النار، فقال لي كيف هذا؟ معنى هذا الكلام أنه قد يتضمن من تواليه أن الإنسان أفضل له أن يعيش كافراً ثم يُراجِع نفسه في آخر حياته، فقلت له هذا غير صحيح، لكنه قال لي وماذا عن الميزان ومنطق الميزان؟ بمنطق الميزان هذا عمل عمل يوم وأساء لسبعين سنة، فكيف هذا؟ قلت له هذا صحيح ولكن أنت نسيت – وهنا رحمة الله – أنه صح عن المعصوم الأبر الأطهر – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله – قوله “والإسلام يجبُ ما قبله”، فالذي كفر سبعين سنة وأساء في سبعين سنة ثم اهتدى بصدق اليوم ومات اليوم يُبعَث يوم القيامة وله صحيفتان فيها حسنات يوم وسيئات يوم، وما عسى سيئات يوم إذا اجتُنِبَت الكبائر كالقتل والسرقة والزنا والعدوان على الناس بغير حق وهذه الأشياء ترجح بلا إله إلا الله؟ فلو أتى بلا إله إلا الله وحدها في يوم وصلى معها خمس صلوات – صلوات يوم كامل – سوف يدخل الجنة طبعاًوهذا من رحمة الله، وأنت كمُسلِم عندك أيضاً نفس الشيئ، وحتى الخوارج كانوا يقولوا “المُسلِم أو المُؤمِن الذي يرتكب كبائر – ويُكفِّرونه بالكبائر – إن مات غير تائب منها عنده باب مفتوح وكبير”، فحتى الخوارج، قالوا بهذا، فإذن يُمكِن التوبة، تُب الآن إلى الله وإن تُبت توبة نصوحة تاب الله عليك وانتهى كل شيئ، فالتوبة تجبُ ما قبلها، وطبعاً يُوجَد بعض المُستلزَمات مثل إذا وُجِدَت حقوق للعباد لابد أن تُعيدها إليها وهذا معروف حتى للصغار قبل الكبار، فإذن هذه رحمة الله تبارك وتعالى، فلا تقولوا لنا خاط ورقع وما إلى ذلك وتُعقِّدونا، الرحمة أوسع والكرم أجزل والموهبةُ أسح، فيده سحاء – لا إله إلا هو – لا يغيضها شيئ لا ليلاً ولا نهاراً سبحانه وتعالى.
نعود إلى ما كنا فيه، فرانكل Frankl يقول “الإنسان في وحدته المُتراتِبة في هذه الطبقات وفي هذا التركيب وفي هذ التعقيد حين يتم إسقاطه على أبعاد أقل منه يفقد تركيبه ويفقد بعض عُمقه ويحدث لدينا مُسقَطات مُتعارِضة في الظاهر”، وهى مُتعارِضة، ولكننا لم نفهم المعنى، مثل ماذا إذن؟ انظر إلى هذا المثال الجميل جداً جداً: هناك أسطوانة – الأسطوانة طبعاً جسمٌ أو جرمٌ ثلاثي الأبعاد مثل الكوب – ثلاثية الأبعاد، سوف يتم إسقاط ظل هذه الأسطوانة على مُستويين – أُفقي ورأسي – فينتج لدينا شكلان أو ظلان طبعاً، وسوف يكون الظل على المُستوى الأفقي على شكل دائرة، هى أسطوانة طبعاً ولذلك تُنتِج دائرة، وسوف يكون ظل الأسطوانة على المُستوى الرأسي على شكل مُستطيل، وحين تنظر إلى المُستطيل سوف تجد أنه غير الدائرة، لكن صحيح أن الدائرة والمُستطيل كليهما شكلان مُغلَقان، والأسطوانة شكل مفتوح، فيُمكِن أن تأتي وتُعبيء فيها الماء لأنها عميقة، فهى لها عمق لأنها من عالم ثالث، والأسطوانة في الحقيقة ليست دائرة وليست مُستطيلاً وليست مُستطيلاً ودائرة معاً حتى، وإنما هى شيئ أعمق من هذا، فلماذا إذن حصل هذا التنقص؟ ولماذا وُجِدَت هذه المُعارَضة بين شكلين مُسقَطين عن جرمٍ واحد؟ لأنك أسقطت هذه الجرم في مُستوى أدنى، فهذا من عالم ثلاثي وأُسقِطَ إلى عالم ثنائي، وبالتالي هو فقد بعض الخواص، وقد تقول لي هذا تشبيه جميل جداً جداً جداً وهو يُوحي حتى إلينا بضرورة الإمعان وتوفير شرط التنزيه لله – تبارك وتعالى – إذا تعاملنا مع الله، وطبعاً هذا صحيح، فإن تحدَّثت عن الله وتكلَّمت عن الله يجب عليك أن تفهم يا أخي يا مُؤمِن يا مُوحِّد أنك تتحدَّث عن مَن بعَّد الأبعاد ومكَّن المكان وزمَّن الزمان وعن الذي لا يحل في بُعد أو ظرف لا إله إلا هو، وهذا معناه أنك لن تستطيع يا مسكين أن تفهمه إلا بطريقة إسقاطية، وكل هذه الإسقاطات فيها انتهاك للتنزيه وفيها انتهاك لن نقول للعمق وإنما سنقول للعظمة وللجبروت وللكبرياء وللسُبحانية الصمدانية الإلهية لكن أنت لا تدري، فانتبه تماماً إلى هذا، ولذلك هنا التنزيه ما لم يتضمَّن نفياً حقيقياً ومعرفة حقيقية فلن يُجدي كثيراً، بالعكس هو مطلوب إلى أبعد حد يستطيعه عقلك، وأنا أعتقد أن الله – تبارك وتعالى – يُقرِّب عبده وأن أدنى العباد إليه ليس أكثرهم صلاة وإنما أكثرهم معرفة به، وكأين من أحدٍ هو كثير الصلاة والعبادة ولكن آخر يسبقه سبقاً بعيداً وهو أقل منه عبادة، فلماذا إذن؟ بسبب المعرفة، فهذا أعرف بالله من هذاطبعاً، ولذلك علينا أن ننتبه إلى أن كثير العبادة إذا دخل المُختبَر – مُختبَر الابتلاء ومُختبَر الحياة – يُمكِن أن يزل بسرعة، ولكن ذاك العارف بالله لا يزل، فمعرفته بالله جعلته فوق الرغبة والرهبة، ومن ثم لا يُمكِن أن يُزِله شيئ، لماذا؟ لوفور المعرفة بالله عنده، وهذه هى القضية، المعرفة وليس فقط العبادة، فالعبادة من غير معرفة جدواها قليل – نعم لها جدوى ولكن قليل – طبعاً، وإن شاء الله تكون هى خُطوات على طريق زيادة وتعميق المعرفة بالله تبارك وتعالى.
نعود إذن إلى هذا التمثيل الجميل جداً، إذن إذا بدأت بالإنسان أنت وافترضت أنه فأر فلن يستقيم الأمر معك، لكنك قد تقول لي مَن فعل هذا؟ علماء النفس السلوكي، فالماديون اليوم يعتبرون الإنسان حيواناً، لكن لماذا؟ لأن عندهم نظرية التطور أيضاً ويقولون أنك أنت حيوان مُترقٍ، فهم لا يُؤمِنون إلا بأنك كالحيوان، وحتى لو آمنوا بالتطور لا يُؤمِنوا أن في لحظة ما الله اختص هذا الإنسان وقال له وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ۩ فأصبح خلقاً آخراً، فهؤلاء لا يُؤمِنون بهذه الأمور، وكل هذه الأمور هم يقولون أنهم لا يُؤمِنون بها ويقولون نحن نُؤمِن بالعلم وبالأدلة وبالمُستحاثات وبالأشياء، وهم أحرار على كل حال، لكن إذا بدأت وافترضت الإنسان فأراً أو حيواناً وعملت له أي دراسات بعد ذلك وإسقاطات ستكون دائماً الإسقاطات في مُستوى ماذا؟ حيوان، والناتج عندك حيوان، فذهب الإنسان وضاع الإنسان إذن، وهذا يُذكِّر بمثل رهيب في دلالته وجميل جداً، وهو مثل ذاك الرجل الذي يشكو إلى حكيم من حكماء القرية – أو هو حكيم القرية بالأحرى – جاره الذي سرقت أو خطفت قطته – أي قطة جاره – خمسة أرطال من زُبده والتهمتها، ومن ثم هو يشكوه عند الحكيم، فالرجل المُدعى عليه قال يا سيدي الحكم الحكيم قطتي وسائر القطط لا تأبه أصلاً بالزُبد، هل هى فأر لتفعل هذا؟ الفأر يُحِب الزُبدة ويُحِب الجبن وما إلى ذلك، لكن القطة ليست كذلك، فقال ائتني بالقطة، فأتاه بالقطة فوضعها في الميزان، ومن عجائب الصُدف أنها وزنت بالتمام – كما يُقال – وبالضبط خمسة أرطال، فقال الحكيم الذي تكشَّف عن أحمق طبعاً وليس عن حكيم هذه الزُبدة فأين القطة؟ وجميل هذا الكلام، وأنا أُسقِط الإنسان الآن بالطريقة هذه فينتج لي حيوان مدفوع بالغرائز، إذن هذا الفأر فأين الإنسان؟ سوف تقول لي عن أي إنسان تتحدَّث؟ في الحقيقة أين الإنسان؟ أين الإنسان الذي يُضحي بنفسه في سبيل وطنه وفي سبيل القيمة وفي سبيل المعنى؟ الأبطال – أبطال الأمم – لديهم ملايين من أممهم على استعداد وافر
توماس كارليلأن يُضحوا أنفسهم في سبيل توفير حياتهم – أي حياة أبطالهم – هم، لكن لماذا؟ لأن البطل نبياً على طريقة توماس كارليل Thomas Carlyle والبطل فيلسوفاً حكيماً والبطل مُناضِلاً مُجاهِداً مُقاتِلاً جندياً والبطل مُفكِّراً مُصلِحاً ثائراً اجتماعياً، وهؤلاء أبطال، والأمم لديها أنماط من البطولة، والملايين من شعوب هؤلاء وجماهيرهم على أتم الاستعداد أن يُضحوا أنفسهم – علماً بأن يُضحي نفسه أفصح مِن يُضحى بنفسه وإن كانت جائزة – في سبيل توفير حياة أبطالهم، فلماذا إذن؟ هل يفعل الواحد منهم هذا من أجل لحمه ودمه؟ وهذا المُضحي أو المُستعِد أن يُضحي قد لا يكون رأى البطل من قبل، هو فقط يسمع عنه، فما معنى هذا إذن؟ ماذا يُصبِح معنى الاستعداد للتضحية؟ بل هو يقول لك روحي قبل روحه، اللهم خُذ من عمري ووفِّر عمره، فلماذا يقول هذا؟ لأن هذا البطل سواء أكان كذا أو كذا أو كذا أو كذا يحمل معنىً ويحمل رسالة، فهو مُرصَد لمُهِمة وهو يحمل قيمة، ولذا أنا أُضحي من أجل القيمة، فإذن هذا ليس فأراً، الذي يُضحي من أجل القيمة والمعنى ليس فأراً، وليس هذا فحسب، فلا يُمكِن للإنسان أن يكون فأراً وأن يكون حيواناً، لأن الإنسان المسكين يتعرَّض أحياناً لمآسي ولوجوه من المرائر والكوارث والآلام والتباريح، وطبعاً الموت يغدو أرحم مائة مرة من مُواصَلة الحياة معها، وهذا معروف ولن نأتي بأمثلة وخاصة في ظل الحروب، ونسأل الله أن تنعم بلاد العرب والمُسلِمين والعالم كله بالسلام، لأنه كفى، كفى حروباً وكفى يُتماً وترملاً وقتلاً وذبحاً وتهجيراً، اللهم رد غُربة جميع المُهجَّرين وخاصة في سوريا وفلسطين، وعلى كل حال هناك مرائر كبيرة، فكيف يحتملها الإنسان؟ ومن أجل ماذا يحتملها؟ بالمعنى وبالقيمة، ولذلك بعضهم آثر أن يُعرِّف المُعاناة، فقال لك ما هى الـ Despair؟ أي المُعاناة الحقيقية واليأس والبؤس، ما هذا الـ Despair؟ قال لك هو: Suffering minus – Without – meaning، أي أن D = S – M، فإذا وُجِدَت مُعاناة بغير معنى سوف يتحطَّم الإنسان وينتحر مُباشَرةً لأن الموت أرحم له، ولكن الذين ينتحرون هم الأقلون، ومُعظَم البشر يتحمَّلون، وهنا يأتي السؤال: كيف يتحمَّلون؟ ولماذا يتحمَّلون؟ قالوا لك لأنهم يجدون معنىً في مُعانتهم، الله.
بالأمس أرسل لي أحد إخواني من المملكة – بارك الله فيه – مقطعاً عن حافظ لكتاب الله – رحمة الله على روحه الطاهرة وأعلى الله مقامه في عليين – بلا أطراف، فأطرافه الأربعة غير موجودة – يا الله – أصلاً، وهذا شيئ مُؤثِّر جداً، فوالله لم استطع أن أُكمِل المقطع – والله لم استطع – لأنه شيئ مُؤثِّر أكثر مما تتخيَّلون، لكن هذا الإنسان قرَّر أن يحفظ القرآن الكريم كله لأنه وجد معنىً لحياته، فاجعلوا البداية يا أحبابي من هنا، علماً بأنني لست أعظ هنا وصدِّقوني هذا كلام مُهِم وهو ليس كلام مواعظ، وسامحوني أيضاً لأنني كثير الاستطراد، حيث تخطر لي معاني فأقولها حتى لا تضيع، فهذه هى طريقتي، فأُحِب أن أقول أن بعض الناس يمضغ الحكمة ولا يعيش بها ولذا هى لا تُسعِفه، فهناك الكثير من الناس مِمَن تخرج الحكم من فمهم ولكن حين تنظر إلى الواحد منهم عند أول اختبار تجده يتحطَّم جُزازاً ويتهاوى جُزازاً ويُصبِح لا شيئ، وذلك لوجود فرق كبير بين الحكمة بنت التجربة والحكمة بنت المُعاناة التي استخلصها هو واستذوبها واستقطرها من عرقٍ ودم وألم وتعب وبين حكمة يرفعها شعاراً بعد أن قرأها في كتاب، علماً بأن مثل هؤلاء يظهرون، هناك كتّاب مُتخصِّصون في الصحف وفي المجلات والآن في الفيس بوك Facebook وفي غير ذلك يكتبون لك كل يوم حكمة، لكنك ترى أن الواحد منهم مُجرَّد إنسان ساذج جداً -Absolutely naive – بسيط جداً، لأنه حتى عندما يأتي لكي يُعقِّب عليها هو يُفرِّغها من المعنى ويبتذلها في حين أنها أعمق مما يتخيَّل لكنه لم يفهمها أصلاً، لذا هناك فرق بين أن ترفع الحكمة شعاراً وأن تستقطر الحكمة من تجربتك الذاتية، فهذه هى الحكمة التي تُسعِفك، ولذا حاولوا أن تكونوا حُكماء قدر ما تستطيعون، وهذا أيضاً يُفضي إلى تعليق آخر – سامحوني مرةً أُخرى- يتعلَّق بالاستخفاف، يُؤلِم الآن في الثقافة العربية وفي السلوك العربي وفي العقلية العربية أنها عقلية استخفاف، وهى طبعاً طالما في عهد الانحطاط كله كانت عقلية استخفاف، هى عقلية ما قل ودل، ولا تتفلسف وهات من الآخر، فهذه هى عقلية الاستخفاف، والآن غلب عليها الاستخفاف أكثر فصارت باستمرار وأدمنت على أن تمزج وتخلط الهزل بالجد في كل شيئ، في الأفلام والمُسلسَلات والكلمات والحوارات دينية بل وحتى النصوص الدينية، وهذا شيئ عجيب جداً، فعل تعرف ماذا يُضيِّع عليك هذا الاستخفاف؟ باختصار هو يُضيِّع عليك فرصة أن تكون حكيماً، فرصة أن أن تُحوِّل المُعاناة إلى معنى، فرصة أن تكون إنساناً قوياً، وهذا كله بسبب الاستخفاف، فلا تستخف ولا تعش حياتك باستخفاف، فحين تتكلَّم حاول أن تكون جدياً، وحين تُحدِّثك نفسك حاول أن تكون جدياً، حين تكتب شيئاً حاول أن تكتبه بحيث يكون للمرة الأولى والأخيرة، لا تقل أنا أكتب مُسوَّدة – Draft – ثم بعد ذلك سوف أُعجِّلها، ولكن مُنذ البداية اكتب هذا الشيئ بجد وخُذه بجد، وحين تضحك حاول أن تستفيد من فرصة الضحك أيضاً، أي حاول أن تكون فيلسوفاً، فلسِف كل شيئ وسوف تتعمَّق وتُزخّر في نهاية المطاف، سوف تُصبِح كنزاً لذخائر التجارب والحكم والمعنى والقيمة، فهذا هو الفرق إذن، وكما قال أبو الطيب أحمد المُتنبي:
هوَ الجَدّ حتى تَفْضُلُ العَينُ أُختَهَا وَحتى يكونُ اليَوْمُ لليَوْمِ سَيّدَا
فلابد من الجد، خُذ الأمور بالجد، والنبي – عليه السلام – كان يقول “لَستُ مِن دَدٍ ولا الدّدُ مِنّي”، لكن ما هو الدد؟ اللهو واللعب، أي أنني لست إنساناً خفيفاً، فلا ألهو ولا ألعب أبداً، أنا جدي حتى في مزحي، وهذا معنى إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً، وهو يعلم أن المُزاح أو المِزاح – بالكسر – قيمة مُهِمة جداً في الحياة ومُهِمة للتعمق أيضاً ومُهِمة للانفصال عن الشروط – أي شروط الآلام وشروط المحنة – من خلال الضحك لكن ليس المقصود الضحك الاستخفافي، وعلماء نفس المعنى يقولون “لكي تتغلَّب على المحنة لديك أسلوبان: إما البطولة وإما الضحك”، وهذا أمر عجيب، وطبعاً ليس الضحك الاستخفافي هو المقصود وإنما الضحك الذي يجعلك تخلق معنىً جديداً تغدو معه المحنة شيئاً يُستهان به، فأنت أكبر من ذلك، ومثل هذا الذي حفظ القرآن الكريم – رحمة الله عليه وعلى روحه الطاهرة – وهو بلا أطراف يُوضِّح لنا هذا المعنى، علماً بأنه كان يُقلِّب أوراق المُصحَف الشريف من خلال عود – Stick – صغير يقومون بإعطائه له، فيُقلِّب الأوراق بفمه من خلاله، وحين كان ينتقل من غُرفة إلى غُرفة – ثلاثة متر أو أربعة متر – كان يستغرق خمس عشرة دقيقة، لكي يذهب إلى المُعلِّم الذي يُعلِّمه القرآن الكريم، ولكنه حفظ كتاب الله تبارك وتعالى، ومات – رحمة الله عليه – قبل أيام، أعلى الله مقامه في عليين، فهذا هو إذن، فهو تغلَّب على حكمته، وقد قرأت عن فتاة الشيئ نفسه، فهى فقد ققدت أطرافها الأربعة لكنها كانت تُقدِّم الاستشارات للسعادة والعثور على المعنى ومُواصَلة الحياة واستثمار الحياة، وتفعل ذلك أيضاً بعصا في فمهما، وتفتح اللاب توب Laptop وتنقر وتُواصِل وتُعطي الناس نصائح ويستفيدون جداً منها لأنها بنت التجربة، ولك أن تتخيَّل هذا، فما هذه العظمة الإنسانية؟ ولذلك قال بعضهم “هناك ما هو أقوى من القدر”، فما هو؟ شجاعة مُواجَهة القدر، أي أن نُواجِه هذا القدر، وكما قال الإمام الباز الأشهب عبد القادر الجيلاني – قدَّس الله سره الكريم – أيضاً “فُتِحَت لي روزنة من الغيب فنازعت أقدار الحق بالحق للحق”، الله، هو هذا إذن، فهو أعطانا مفهوماً جديداً مُركَّباً جداً للقدر، فالقدر ليس هو خلق ظروف اضطرارية إجبارية تُلغى وتُشطَب معها إرادة الإنسان، ليس هو هذا بالمرة ولا له علاقة به، فهذا غير صحيح وهذا فهم خاطيء، وهو فهم مُنحطَ، لكن هذا الفهم طوَّره المُسلِمون لما انحطوا حضارياً وعقدياً وفكرياً، في حين أن القدر ليس هكذا بالمرة، القدر فرصة مفتوحة أيضاً، فما رأيك؟ قال الله يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ ۩، لكن هذا موضوع آخر على كل حال، فنعود إلى ما كنا فيه لأن الوقت يُدرِكنا.
إذن ابدأ بالإنسان، افترضه فأراً ولن ينتج معك إلا ماذا؟ إلا الفأر، افترضه آلةً ولن ينتج معك إلا ماذا؟ الآلة، لكن الصحيح هو أن تبدأ معه في وحدته وفي تفرده وفي فرادته وفي تركيبه ومن ثم ينتج لك ماذا؟ الإنسان، وستجد أنك ملزوز لتتعامل فقط مع أبعاد فيه في مُستواها ولا يصح أن تُسقِطها في مُستوى أدنى، فيجب أن تفهم هذا، وكما قلت لكم مفهوم الفدائية ومفهوم التضحية ومفهوم الحب – هذه خُطبة الأسبوع الفارط كما يُقال – ومثل هذه المفاهيم مُباشَرةً لا تنتمي إلى الفأر ولا إلى الآلة وإنما تنتمي إلى الإنسان، أي إلى المعنى وإلى الروح مُباشَرةً، فحاول بطريقة التطوريين والفرويديين – نسبة إلى فرويد Freud – أن تُسقِطها على مُستوى الفأر وسوف ينتج معك فأر في نهاية المطاف وسوف يفسد الحب الإنساني لأنه سوف يكون شيئاً باهتاً لا معنى له ولا قيمة له في الحقيقة، وطبعاً هذا يُمكِن أن يُسلِّم به مَن لم يفهم وأكثر منه بلاهة مَن لم يُجرِّب الحب، وأعود مرة أُخرى إلى ما تحدَّثت عنه في الخُطبة السابقة، فقد تحدَّثت عن الحيوانات الأليفة – Pets – التي يُربيها الناس هنا في البيوت ويحرصون عليها، وقلت أنهم تنبَّهوا إلى أن الحرص على تربية هذه الحيوانات الأليفة ليس من باب الرحمة الزائدة والحب الفيّاض بل بالعكس هو تأكيد لحاجتهم إلى أن يُحتاج إليهم، وهذا أيضاً نوع من العُصاب، والمُبالَغة فيه تُؤكِّد أنه إنسان معصوب وإنسان غير سوي، فلماذا إذن؟ لأن ابنك ليس كالحيوان الأليف، وهذا هو الفرق بين ابنكِ الصغير وابنكَ الصغير وبين حيوانكِ وحيوانكَ الأليف، لكن ما هو هذا الفرق؟ الحيوان الأليف سهل جداً ترويضه على عكس الإنسان، وحين كنت صغيراً كنت أستغرب من هذا، وقد شاهدت بأم عيني – والله – مُباراة في التلفاز – وكان التلفزيون Television أسود وأبيض في بيتنا – بين الكلاب – أعزكم الله – كاملة، وكان أحد الكلاب يقف على جهاز تصوير – أي الكاميرا Camera – أيضاً، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق، فقلت كيف هذا؟ ثم تبيَّن لي أن ترويض الحيوان مسألة سهلة، والأصعب منها مليون مرة تربية الإنسان، فالإنسان لا يُروَّض، الإنسان يُربَّى، ولكن قد تقول لي ما هو الفرق؟ أنا أقول لك الفرق هو أن الترويض معناه العمل في سبيل وفي طريق إلغاء إرادة المُروَّض، وهذا تشريط بافلوفي – نسبة إلى بافلوف Pavlov – طبعاً، وهذه هى السلوكية – أي هذه المدرسة السلوكية – طبعاً، فهم ظنوا أن الإنسان يُروَّض، لكن الإنسان لا يُروَّض، فهناك يا جماعة الخير الإنسان الضعيف الذي لا يزن أكثر من أربعين كيلو ويخضع في قبو الاستخبارات ثلاث سنوات للتعذيب بالكهرباء وبالخصي وبالعدوان الجنسي وبالانتهاك وبالكذا وبالكذا لكنه لا يقبل أن يُعطي كلمة نعم أو كلمة انحناء، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق، ثم يُقطَّع ويموت شهيداً، فيصعد إلى السماء دون أن يخضع، وهذا شيئ رهيب لكن هذا هو الإنسان، هذا ليس الآلة وليس الفأر، هذا هو الإنسان وهذا معنى آخر على قدم سواء بل يفوق معنى الفدائية والتضحية، إصرار الإنسان على أن يكون هو، أي أنا، فأنا أنا وليس أنت، لن تقدر تُجبِر قلبي أن يعتقد ما لا يُؤمِن به، قطِّعني واجلدني وانفني وانبذني واقتلني وسوف تفشل دائماً معي، واحد وحده – لا إله إلا هو – أنا أكون عبداً له، هو فقط الذي أعبده لأنه مالك قلبي، قال الله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ۩، فالذي يستطيع أن يحول بيني وبين قلبي ويتصرَّف في قلبي أنا أكون عبداً له، ولذلك العبودية لله وحده فقط، فحين أكون إنساناً – في مُستوى إنسان وليس مُستوى فأر أو آلة – لن يستطيع أي شخص أن يحول بيني وبين قلبي.
إذن هؤلاء يرغبون في تربية الحيوانات الأليفة لكي يستتبعوها، فتُصبِح مُباشَرةً مُبرمَجة وفق ما يُريدون وتُظهِر حاجتها المُستمِرة لهم في أكلها وفي شربها وفي نُزهتها باستمرار، أما الولد الصغير لا يفعل هذا، الولد يتسبب في إخراج القرون لأبيه وأمه وخاصة إذا كان ولداً عارم النشاط وفائق الذكاء يُريد ما يُريده هو، يُقال للطفل الصغير يا ولد نام ويا ولد اهدأ ولا فائدة، فهذا هو الإنسان، هذا ليس حيواناً أليفاً – Pet – أبداً، هذا الإنسان إذا كنت تُفكِّر في الإنسان، لكن ماذا عن التربية؟ هذا الترويض فماذا عن التربية التي لا نعرفها؟ نحن بالذات الشعوب المُستبَد بها لا نعرفها لأننا نُعاني الاستبداد ولكن حتى الآن لا نستطيع أن نفهم جذور الإنسان، وطبعاُ هذا باستثناء الفلاسفة والمُفكِّروين والناس الدارسين، فأنا أتحدَّث عن الشعوب والعامة والكتل البشرية Mass، فهذه الكتل تظن أن الاستبداد ينتهي بضرب رأس الخبيث الذي يجلس في الأعلى بآخر يضعونه مكانه، وهذا الآخر هو مُستبِد ألعن، فأنتم لا تفهمون شيئاً، هذا الشيخ الذي له لحية مُستبِد، ألم تلحظوا أنه في خطابه وفي طريقته وفي تعامله معكم هو مُستبِد كبير وأنه يُسارِع إلى التكفير وإلى التبديع وإلى الكشرة وما إلى ذلك؟ هذا مُستبِد كبير، فكيف تُعطيه سُلطة حقيقية؟ هذه مُصيبة طبعاً، هذه مُصيبة المصائب وسوف تترحَّم على أيام المُستبِد الأول، فما هذه اللعنة إذن؟ اللعنة تكمن في أنك لابد أن تفهم جذور الاستبداد، ومن جذور الاستبداد هذا الجذر التربوي، فنحن أمة لا تعرف كيف تُربي، نحن أمة تعمل على أن تُروِّض – ترويض – فقط، فتجد الرجل المُتدين أو غير المُتدين لكنه عربي في نهاية المطاف ومُسلِم أو قد يكون عربياً غير مُسلِم لكن ابنه أصبح مُراهِقاً وبلغ خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة – أي ولد شاطر في الثانوية، في أولى ثانوي مثلاً – ومع ذلك هو يُريده مثل الطفل ابن تسع سنوات، لأن الطفل أيضاً كان مُروَّضاً كدُمية وكأي حيوان أليف Pet للأسف، وهو الآن يُريد أن يكون هذا المُراهِق مُروَّضاً أيضاً، لكن هذا المُراهِق المسكين تُفرَز فيه هرمونات وتُصبِح فيه تغيرات ربانية تُؤهِّله أن يستقل، وأنا قلت مائة مرة في إخدى الخُطب أن المُراهِق لا يفهم مشاعر الآخرين، فهو أضعف من أن يفهم مشاعر الآخرين بالمُقارَنة مع نظيره الصبي الصغير، وهناك سؤال عندما نسأله نفشل في جوابه دائماً، وهذا السؤال طرحه العلماء من قبل وهو مَن يستطيع أن يفهم مشاعر أبويه أكثر: الولد ابن خمس عشرة سنة أم الولد ابن تسع سنوات؟ ودائماً ما يُقال الولد ابن خمس عشرة سنة طبعاً، وهذا غير صحيح، فالصحيح هو ابن تسع سنوات، فابن خمس عشرة سنة مُراهِق، والله يضع فيه تغيرات مُعيَّنة ويُحدِث فيه تغيرات لكي يستقل، فلو ظل يُراعي مشاعر أبويه ويشعر بهما على نحو الصغير لن يستقل وسوف يظل ضعيفاً هشاً، لأنه سوف يخاف وسوف يقول أبي سوف يحزن أو أمي سوف تحزن أو تتألم، لكنه الآن مُراهِق، والأب طبعاً والأم يقولان هذا يكاد أن يُحدِث لنا جنوناً، بل قد يقول الواحد منهما هذا الولد يقتلني بأفعاله، وطبعاً هو يقتلك لأنه مُستقِل، فأنت الذي تُريد أن تقتله وأن تُعدِمه حياته ومُستقبَله، لكنك قد تقول لي ما هذا؟ وأقول بكلمة واحدة أن جوهر التربية الذي إن نجحت فيه فأنت مُربٍ ناجح وإلا فأنت أفشل مُربٍ هو أن تجعل هذا المُربّى مُستقِلاً عنك ونداً لك وكفؤاً لك وسوف يكون أفضل وأحسن لو تجاوزك أيضاً في قدراته وعلمه ومسلكياته ولياقاته المسلكية والبدنية وفي كل شيئ، وهنا يُوجَد الحب، فما رأيكم؟ في قلب التربية يمثل الحب، لا تستطيع أن تُربي هذه التربية إلا إذا كنت مُحِباً، وأنا أقول لك هذا صحيح تماماً، ومن المُمكِن ألا تفهم الشيئ هذا إذا أخذت المثال مع أبوين، ولكن خُذها مع أستاذ مثلاً، أي خُذها مع أستاذك أو مع شيخك أو مع مُدرِّبك الذي يُدرِّبك الكونغ فو Kung Fu أو الكاراتية Karate أو التايكوندو Taekwondo أو ضرب السيف أو أي شيئ، فالمُدرِّب الناجح – يُوجَد مُدرِّبون ناجحون لكنهم قلة – يفرح ويسعد ويعتبر أنه نجح في مُهِمته متى؟ حين ينجح مُدرَّبه في استلال أو في إسقاط سيفه من يده وتوجيه ضربة نجلاء له، ومن ثم يفرح ويقول له أنت الآن تمام وكل شيئ الآن تمام، وهذا أمر عجيب، وقد يُقال له كيف تقول هذا وقد تفوق عليك؟ لكنه يقول هذا الذي أُريده أنا، وهذه لا يعملها إلا مَن؟ إلا المُحِب، فالبروفيسور Professor أو الشيخ أو الأستاذ أو المُعلِّم في المدارس الناجح هو مَن؟ هو الذي يُرقِّي هذا المُعلَّم إلى درجة بحيث يُناظِره، فيرده الحُجة بالحُجة ويعترض عليه ويُورِد عليه، ثم يُصبِح كفؤ له ونداً له وإن أمكن أن يتجاوزه سيكون أفضل، لكن قل لي بالله عليك أين هذا الأستاذ وهذا الشيخ وهذا المُعلِّم وهذا البروفيسور Professor الذي يفرح ويجد نفسه ناجحاً فعلاً حين يتفوَّق عليه تلميذه؟ هؤلاء قلة قليلة، لكن مَن هم؟ المُحِبون، أي أن المُحِب يفعل هذا، فالأستاذ المُحِب – مثلاً – يفعل هذا ويفرح جداً بأنك تفوَّقت عليه وبأنك تجاوزته ومضيت، ويعتبر نفسه الآن نجح في مُهِمته، لكنك قد تقول لي هذا الحب الآن نُريد أن نُحلِّله مرة أخرى وأن نعمل له تفكيكاً، فما الذي يُوجَد في قلب هذا الحب في آخر طبقة من الأسفل؟ أنا أقول لك يُوجَد عشق المعنى – الله – وعشق القيمة، وأنتم تُفضِّلون أن يُقال عشق الحقيقة، فكوني أنا مُفكِّراً أو فيلسوفاً أو مُعلِّماً أو مُدرِّباً بالسيف وإلى آخره فأنا أنتمي إلى عالم مهنتي وإلى عالم ما أشتغل به، أنتمي إلى عالم المعرفة وعالم الحقائق وعالم المعنى كما يُقال، وهذا أمر جميل، وهذا العالم وهذا المُدرَّب وهذا المُتعلَّم أوغل فيه أكثر مني وبالتالي هذا سوف يُسعِدني جداً هذا، لأن انتمائي إلى المعنى أصلاً، أنا أُريد أن أن أنصر المعنى، أنا أُريد أن يتجلى المعنى وأن يتبرج المعنى وأن ينتصر المعنى، أي أن يحدث انتصار – Triumph – للمعنى نفسه، فيُشعشِع المعنى عبري وعبر أبنائي وعبر أصدقائي وعبر الآخرين مِمَن لم أُعلِّمهم، لذا هذا يُسعِدني جداً، علماً بأنه لابد أن يُطِل المعنى برأسه، وهذه هى عظمة الإنسان، ومن هنا أنا أقول لك هذا الإنسان الآن في قمة عظمته، هذا الإنسان هو الأقرب إلى الله، فلماذا إذن؟ بكلمة واحدة لأن مصدر المعنى وكل معنى هو رب العزة لا إله إلا هو، فقط هو هذا، فهو مصدر كل معنى وبغيره لا يُمكِن أن يكون للشيئ معنى حقيقي، أونا أقول لك هذا مُستحيل لأن في نهاية المطاف سوف تصل أيضاً إلى حائط مسدود، فعشقك للمعنى على هذا المُستوى الذي أورثك مشاعر الحب العجيبة والغريبة والغامضة بالنسبة إلينا هو تجلٍ وانعكاس لقربك من الله – لا إله إلا هو – ولمعرفتك الحقيقة بالله، فهؤلاء هم الأقرب إذن إلى الله.
أخيراً وليس بآخر عوداً على بدء قال الله لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ۩، فحذاري من أن تفهموا الدين على نحو غير هذا، لأن كما قال مرة ديفيد هيوم David Hume “خطاً الفلسفة سخيفٌ فقط، لكن خطأ الدين قاتل مُميت”، فمن الخطأ التلاعب في الدين بالذات، فهذا ليس صحيحاً فحسب بل هو مُميت، فهو يُدمِّر المُجتمَعات والإنسان، وأول شيئ يُدمِّره هو أنت، أما خطأ الفلسفة فهو خطأ سخيف، فكلها كلام ومسائل نظرية وما إلى ذلك كما يقول هيوم Hume، وهو فيلسوف طبعاً شكّاك.
قال الله لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ۩، إياك أن تظن أن تعاليك على أن تُظهِرم امتنانك لمَن أحسن إليك ولو مِن وراء وراء ولو مِن وراء اللاب توب Laptop غير هام، طبعاً لأن اليوم اللصوصية والسرقات فظيعة جداً جداً جداً، فالواحد منهم يذهب ويتعلَّم أشياء ثم يأتي ويقول أنها أفكاره بل ويسب الذي تعلَّم منهم، ونحن نقول له لن يُنفَع بك ولن يُبارَك في علمك وسوف تبقى صعلوك فكر، خُذها مني لأن هذه قطعاً مسألة روحية دينية، ولأن الله مع الصادقين لا إله إلا هو، بالعكس أظهر الامتنان لهم، ولذلك يُلام علىّ ويُقال أنه يحتج بهيوم Hume وفرانكل Frankl، فهل تعرف مَن فرانكل Frankl؟ نعم إنه يهودي نمساوي ونجا من المحرقة، لكنني أنسب الفضل إليه فيما تعلَّمته منه، أي يهودي أو بوذي أو هندوسي أو كافر أو مُسلِم أو أي أحد تعلَّمت منه حرفاً لابد أن أنسب الفضل إليه وأن أُصرِّح بإسمه وعلى منبر رسول الله، وهذا الذي يُرضي ربي ورسول ربي عليه الصلاة وأفضل السلام، وليس الكذب والتزييف والضحك على الناس والتمثيل، فعلينا أن ننتبه إلى أن لابد من الصدق، الصدق الشعشعاني الساطع، فهذا الذي يُبارَك فيه، ولذا تعلَّموا هذا الشيئ لأن لابد منه، وهذا الذي يُعطيكم السلام الداخلي، فلا يُمكِن أن تُحقِّق السلام الداخلي وأنت مُتناقِض مع نفسك فضلاً عن وجود مسافة بين الظاهر والباطن وبين الدعوى والمُدعى، هذا لا يُمكِن على الإطلاق.
على كل حال نعود إلى حديثنا، إذن أظِهر الامتنان وأظِهر الشكر وسوف يكون هذا هو الطريق الذي تشكر به ربك، فما رأيك إذن؟ لكن الواحد منهم يظن ويدّعي أنه سيكفر ويُظهِر الكفر بنعم الناس كلهم ولن يشكر إلا ربه لأن الفضل فقط مِن عند الله وبيد الله، وصحيح الفضل مِن عند الله وبيد الله ولكن أنا أقول لكم بكلمة واحفظوها عني أن مُعظَم نعم الله – ولن أقول كلها حتى أكون دقيقاً وإنما سأقول مُعظَمها – علينا موسوطة، فما معنى موسوطة؟ أي جاءت بتوسط، فالله حين خلقني هل نزلت من السماء السابعة بجناجين أم أنني جئت عبر أبي وأمي؟ إذن الفضل لله في خلقي عبر أبي وأمي، ولذلك أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ۩ مُباشَرةً لأنها نعمة موسوطة، فالله خلقني بأبي وأمي، وهو الذي علَّمني أيضاً، لكن لم ينزل جبريل أو ميكائيل لكي يعلَّمني أحدهم وأنا في غار حراء أو في غار آخر أبداً، وإنما علَّمني أستاذي فلان بن فلان الفلاني وقد مات رحمة الله على روحه، فالذي علَّمني ألف باء سوف أترحَّم على روحه ما حييت، وهذا علَّمني النحو وهذا علَّمني الصرف وهذا علَّمني كذا وكذا، وكلهم أنا تعلَّمت وفهمت عبرهم، ولذا يقول أحد المشائخ وهو الشيخ الأكبر – رحمة الله عليه – مُحيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية أن مشائخي فلان وفلان، ومن مشائخي ميزابٌ بلنسية – من بلاد الأندلس – أيضاً، أي ميزاب ماء مُعلَّق في حائط وينزل منه الماء، فقال هذا أحد شيوخي لأنه تعلَّم منه، لكن كيف تعلَّم منه؟ حين رأى الماء ينزل من هذا الميزاب في فصل الشتاء أوحى له بمعنى ومن ثم اعتبره شيخه وقال الميزاب علَّمني، فيا سلام يا مُحيي الدين، ما هذا الشكر؟ ما هذا الاعتراف؟ ما هذه الصدقية؟ قال لك هذا شيخي، وكذلك الحال مع ابن حجر، فابن حجر قال أنا علَّمتني نملة، ولولا النملة ما طلبت علم الحديث، علماً بأنه طلب الحديث ولم يستطع في البداية، فهو صعب جداً ويُوجَد أسانيد ومتون وأشياء مُعقَّدة جداً، لكنه رأى نملة تُحاوِل شيئاً ثم تفشل أن تأخذه وهكذا ظلت تُحاوِل سبع مرات حتى نجحت، فقال هذه الله بعثها لي لكي تُعلِّمني، ارجع اطلب واجتهد وثابر، فلابد من المُثابَرة، والمُهِم إذن هو أن عليك
أن تفهم أن نعم الله موسوطة، وماذا يقول ألبرت أينشتاين Albert Einstein أيضاً؟ يقول “المُصادَفة – أنت تُسميها مُصادَفة Coincidence – أسلوبٌ من أساليب الرب – لا إله إلا هو – يُوصِّل غوثه ونعمته إلينا من حيث لا تظهر”، وأنت تقول مُصادَفة ولا يُوجَد شيئ إسمه مُصادَفة، ولذلك سأختم بقصة جميلة يفهمها الصغير قبل الكبير، وهى قصة حلوة جداً فعلِّموها لأطفالكم: هناك رجل يغرق في بحر، وكان مُتديِّناً طيباً ولكن فيه تغفيل، أي أنه مُغفَّل ولا يفهم الدين جيداً، فمر به جماعة من الناس في قارب وقالوا له هل تعوم أم تغرق؟ هل تُريد مُساعَدة؟ فقال الله يُنقِذني، فقالوا أنت وذاك، أي أنت وما اخترت، ثم ذهبوا، وهذا المسكين يُحاوِل أن ينجو لكنه غير عوّام وغير سبّاح، ثم جاء قارب آخر وقالوا له هل ستعوم أم تغرق؟ هل تُريد أن نُنقِذك؟ قال لأ، الله سوف يُنقِذني، فهو رجل مُوحِّد لكنه يفهم لَئِن شَكَرْتُمْ ۩ بطريقة خاطئة ومقلوبة، وهذا المسكين لم يفهم قضية الموسوطية بالمرة، فشرب ماءاً كثيراً فمات وأدخله الله الجنة، وأكيد سوف يكون مقام هذا المُغفَّل صغيراً قليلاً لأنه مُغفَّل، فعتب على ربه وقال له يا رب لماذا ألححت في سؤالك الغوث ولم تُغِثني؟ قال له يا مُغفَّل بعثت لك قاربين اثنين، أي هل تُريد لكي أنقذك أن ابعث لك مَلكاً مثل جبريل؟ هل تُريد أن تمتد يد من الغيب دون أن تراها فتجد نفسك وقد طوفت على الماء؟ علماً بأن هذه الحالات تحدث في مرات قليلة أيضاً لكن في حالة عدم وجود قارب مع بعض الناس، لكن هنا أتى قاربان، فالله قال له أنا ألهمت أصحاب هاته القوارب أن يأتوا إليك يا مُغفَّل والماء يُدوِّمك تدومياً، لكن ماذا تفعل مع المُغفَّل؟ اللهم لا تجعلنا مُغفَّلين وعلِّمنا وفقِّهنا في الدين واجعلنا من عبادك الراشدين، هُداة مُهتدين غير ضالين ولا مُضِلين.
د. عدنان إبراهيم
شارك هذا على :

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!