للرحمة ما أحوجك!

للرحمة ما أحوجك!
شارك هذا على :

كم ثرَّب علي المثربون، وكم لامني اللائمون، وكم عاتبني المعاتبون بدعوى الإستماع ومتابعة خطب ومحاضرات داعية بزغ نجمه في سماء الدعوة في الآونة الأخيرة، ناهلا من علوم شتى، فاجتمع فيه ما تفرق في الآخرين. هذا الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وقلب الموازين، جاعلا عاليها سافلها ومياسرها ميامنها. هذه باختصار التهمة التي لف حبلها المعاتبون حول رقبتي، كأنما تركت قِبلة المسلمين واتخذت تمثال الحرية قبلة أخرى لصلواتي.. ومن هنا أبدأ..

لم أكن منشغلا قط بكل ما قيل وما يقال، ولم أكن يوما أفكر ولو بعُشُرِ رغبة أن أجعل الحبر يسري على الورق في هكذا موضوعات، أولا لأن عادتي أن أجيب أمثال أولئك _ سرا طبعا _ بقول الشاعر:

لو كل كلب عوى ألقمتُهُ حجرا = لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ

طبعا مع حفظ الآدمية لبني البشر، والحيوانية للكلاب، وإلا فلا يجوز من حيث الأدب على الأقل الحديث عن الكلاب في مقام خُصص لبني آدم (أعز الله الجميع). وثانيا لأني أملك من بنات الدهر كل بنت، ولا وقت لدي ولا كاهل أثقلهما بالمزيد من مشاغل تداهمني من هنا أو هنالك. لكن ما جعلني في الحقيقة أخيرا أستجمع قناعة تامة للرد على أُصَيْحَابِي الكرام، ليس بالتأكيد المرافعة عن الرجل والمنافحة عن قيله وقاله، وليس الهمس في عقولهم بجعل أفكاره في أجنداتهم وتبنيها، كلاَّ وألف كلاَّ، فالرجل أكبر من هذا اللغط كله، ولا يحتاج لجاهل ومحامٍ فاشل _ على الأرجح _ مثلي لينتزع من الناس صكوك إنصاف واعتراف ورضى تجعل هذا الفلسطيني في منأى عن سهام وبنادق أفواههم الملتهبة.

ربما سنتفق مبدئيا أننا نحن العرب والمسلمين نكره بل نمقت أي فطام معرفي نصطدم بجداره أو نُخضع له على حين غرة، بمعنى، أننا لا نحتمل التخلي والمجازفة بما ألفناه ورضعناه من أمهاتنا وآبائنا وأسلافنا ومواضينا الغابرة. بل وإننا _ للأسف _ نقبل الأمور على سذاجتها وخطئها ومنافاتها للمنطق البشري قبولا مترسخا صلدا مُدَّعين أن في الأمر سرا ولغزا لا يعلمه إلا الله، لتصير أفكارنا هاته كالأحافير التي تشق مكانها الأبدي في الصخور، فتصير جزءا متأصلا فيها. ولا أدلَّ على هذا من قصيدة ” طلع البدر علينا ” المعروفة، التي ظننا ولا نزال نظن أنها قيلت في مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغ به السفر المدينة بعد مغادرته مكة بصحبة الصديق رضي الله عنه. وللأسف هذا ما كرسته كتبنا المدرسية جيلا عن جيل، وأعظم من هذا وذاك، بلوغ الزلة أن تكون مادة إعلامية أسقطت ”مصطفى العقاد” رحمه الله، المخرج الكبير، في إعادة إنتاج نفس الأخطاء في رائعته ”الرسالة“. والحقيقة أن القصيدة قيلت فيه صلى الله عليه وسلم لكن أثناء عودته من معركة ”تبوك” لما بلغ صلوات الله عليه ”ثنيات الوداع” وهو مكان بشمال المدينة !! وقد أشار ”ابن القيم” لهذا التنبيه في ”زاد المعاد” وغيره، وقس على هذا المثال أكياسنا الملأى بالغث والسمين..

فلا أقل إذن من أن نُكْبِرَ ونرفع قبعات الاحترام والتقدير لكل من تجرأ على حمل مشاعل الفحص والتحقيق المنهجي العلمي تصحيحا لكل ما يحتاج لإعادة النظر في كل موروثنا القديم، ولا نكون إمَّعاتٍ وإسفنجات بريئة تمتص كل شيء، أو كحاطب ليل يلقف بكفين تائهتين وبعينين لا تريان إلا السواد ما ينفع وما لا ينفع. ومن المفروض إذن أو على الأقل من اللائق أخلاقيا وأدبيا أن نشكر الرجل على تحمله من أجل رسالته العلمية والتوعوية وِزْرَ إهانات وعبارات قدحية أربأ بنفسي أن أنثرها بين السطور هذه، وقد قيل فيه كما يعلم الجميع ما لم يقله مالك في الخمر. كعادتنا دوما، فحين نفشل في رفع مستويات عقولنا نتفنن في رفع مستوى الصوت المشفوع بشتى أنواع الشتم والسباب !!

قد يكون الإنسان أكبر جاحد يمشي على قدمين بتعبير الأديب “ديستوفسكي”، وقد يكون مستكبرا ربما لداعٍ ما، وقد يكون رافضا لكل رأي جديد يزاحم آراءه وقناعاته، فلا بأس إذن مادام الآدمي حرا في اختياراته المعلنة والمبطنة، فالتاريخ رفض “كوبرنيكوس” ورفض “غاليليو” ورفض “ألفرد فيجنر” وغيرهم كثير.. كون المجتمعات حينها لم تحبذ الثورة والانقلاب على المألوف والسائد، ولم تتقبل الصدمات العلمية إلا بعد ردح من الزمن، وصدق “آرثر شوبنهاور” الذي خلص إلى أن الأفكار تكون أول انبعاثها مرفوضة، لتصبح بعد حين مقبولة ويمكن التعايش معها، فتستقر في آخر المطاف في أذهان الناس على شكل بديهيات ..وإن من يعتبر شخصا كعدو فحتما سيخطئ في فهم كل ما يقوله كما قال نيتشه، وإن من يطفئ سراج العقل والمنطق والموضوعية والنقد العلمي، ويسمح بإضاءة سراج العاطفة والاستيراد غير المنخول فلا مرية من تصديقه لأي قول شيطاني مفبرك يكفي أن يفتتح بـ ”قال الله تعالى” بتعبير “محمد أركون”.

فيا لائمي إذن، خذ من فكر عدنان ما تراه نافعا لك واطرح ما لا تراه يزيد من ثقل حقائبك المعرفية، فكل آراء البشر مأخوذ منها ومردود خلا ما نطق المرسلون به عن كلام وحياني سماوي مقدس، ولا تجعل قولة الإسباني “ميغيل دي غونامونو” كأنها قيلت فيك، وهو القائل: ”إن أعرجَ يفشل في أن يعيش حياته كما ينبغي، يميل مباشرة إلى تسكين مشؤوم كي يعوض فشله بتشويه كل ما حوله“. ويا لائمي، دع الناس وما يشتهون، فهم أدرى بمنافعهم، والله هو الهادي والموفق لكل أمر، ودع عنك رشق الناس باتهامات قد تثبُت وقد تبطُل، فالرصاصات لا تعود للخلف إذا غادرت مواسير البنادق.

يا لائمي، حري بك أن تهتم بشؤونك وتتفرغ لإنقاذ نفسك من المارد الجاهل المتعجرف الذي سكن دواخلنا حتى تنَمْرَدَ وارتقى منا مرتقى صعبا، ولعلك لا تجهل مقولة ”قس بن ساعدة لملك بيزنطة أفضل العقل معرفة المرء لنفسه“، كما لا إخالك تجهل قولة ”جونتان صوفت” القائل: “إذا اجتمع أغبياء العالم على شخص بالرفض، فاعلم أنه عبقري”.

المعرفة الإنسانية ملكية مشتركة، ليست حكرا على دين أو على عرق أو على مذهب وطائفة، كالحكمة تماما، أنى وجدها امرُؤٌ فهو الأحق بها. إذن، فما دمنا نصفق لعظمة نسبية ”أينشتاين” اليهودي، ونأخذ النحو التوليدي من لغويات “نعوم تشومسكي” الملحد، ونستشهد بحكم “بوذا” و”كونفوشيوس”… فكيف نسجن شخصا قال ربي اللهُ ونبيي محمد (ص) داخل صندوق أسود، جريرته الوحيدة وتهمته الثابتة ”التفكير”؟ إنك وأيم الله لتستحق الرحمة يا عدنان، ويا عجبا لصاحب المدينة الفاضلة الذي حُقّ له أن يصدح بيانا وقبل قرون خلت بمسكوكته: “أحق الناس بالرحمة أعلمهم بين جُهال”…

د. عدنان إبراهيم (مفكر إسلامي)

شارك هذا على :

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!