مسؤولية “بنكيران” في إعادة إنتاج الإستبداد

مسؤولية “بنكيران” في إعادة إنتاج الإستبداد
شارك هذا على :

خلال ندوة نظمها حزب الإستقلال يوم 30 نونبر حول “بناء الدولة الديمقراطية.. استكمال لمهام التحرير الوطني”، قال “محمد اليازغي” الكاتب العام السابق للإتحاد الإشتراكي في مداخلة سياسية مركزة ودقيقة جدا، إن “عبد الإله بنكيران” الذي حملت صناديق الإقتراع حزبه إلى المرتبة الأولى وبوأته قيادة الحكومة في 2011، صمت صمتا مريبا ودالا عن قضية البناء الديمقراطي طيلة الولاية الحكومية التي نودعها اليوم. “بنكيران” لم يرد على “اليازغي” سواء خلال اللقاء الذي كان حاضرا فيه أو فيما بعد.

التعثر المقصود الذي تعرفه مشاورات تشكيل الحكومة والصعاب التي تعترض “عبد الإله بنكيران” هي في جزء منها من صنع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وترجع في عمقها إلى صمته الطويل حول إشكالية البناء الديمقراطي.

“عبد الإله بنكيران” وضع أولويات سياسية واضحة لنفسه وحزبه وحكومته:

– أولا: أن يصبح شريكا موثوقا منه في عملية بناء الدولة والمحافظة على ثوابتها.

– ثانيا: أن يحافظ على التوازنات الموجودة داخل الدولة والمجتمع والمؤسسات.

– ثالثا: أن يضمن لحزبه دورا مهما ومعقولا (بعيدا عن التهميش أو الهيمنة) داخل المشهد السياسي الوطني.

– رابعا: أن يكشف خطر من ينظرون إلى الإسلاميين على أنهم بعبع يجب محاربته.

أهداف “بنكيران” جعلته يضحي بأهم شيء أتى به دستور 2011، ألا وهو دعم دولة المؤسسات والبناء الديمقراطي. ما سمي “ما الملك للملك وما لبنكيران لبنكيران” كان أهم شيء أبان فيه “بنكيران” عن مرونة مفرطة وتنازل فيه عن الكثير مما يمكن أن يدعم السلطة التنفيذية وقدرتها على تأدية دورها بشكل يخول لها وسائل العمل ويمكن الشعب من محاسبتها. كل المؤسسات العمومية المهمة والإستراتيجية تم التخلي عنها لصالح الملك بحثا عن رضى القصر والتقرب من مراكز القرار التي تدور في فلكه. ليس هذا وحسب، ولكن حتى المؤسسات التي بقيت في دائرة سلطة الحكومة تم التدخل فيها بشكل غير مباشر أو مباشر للتحكم فيها وفي ميزانيتها وفيمن يسيرها بعلم وبدون علم رئيس الحكومة. “بنكيران” لم يتدخل ولو مرة واحدة لفرض سلطة الحكومة خوفا من غضب القصر رغم أن القانون واضح في هذا الإطار.

تدبير الميزانية كذلك لم يخضع إلا صوريا لرئاسة الحكومة؛ بل إن “بنكيران” كان يرى كيف أن “بوسعيد” و”أخنوش” و”حصاد” و”العلمي” و”التوفيق” و”بلمختار” و”الوردي” يتقاسمون كعكة الميزانية تنفيذا لأوامر تتخذ خارج دواليب الحكومة دون أن يحرك ساكنا. بالعكس، فرض “بنكيران” على الوزراء الآخرين أمرا واقعا وأخرس كل من كان يعارض هذا التقسيم اللاعادل للميزانية، حتى وإن كلفه ذلك امتعاض الوزراء الآخرين. “بنكيران” كان يظن أن إرضاء الوزراء الذين “كانت أكتافهم سخن” بالتعليمات الفوقية سيكسبه عطفا وتفهما، ولكنه في آخر ولايته فهم أنه كلما تنازل كلما ضعفت سلطته وتقلص هامش تحركه.

كان “بنكيران” يعرف أن دعم الفلاحة والصناعة إلى درجة التخمة أمر غير مستدام وغير ذي جدوى اقتصادية على المدى المتوسط والطويل، ولكنه كان لا يناقش هذه الأمور لأنه يظنها خارجة عن سيطرته وستجلب له متاعب هو في غنى عنها، خصوصا لبلوغ هدف إيصال إرسالية على أنه متعاون وخدوم لمصلحة الوطن والدولة والدوائر العليا.

“بنكيران” قلص دائرة عمله الحكومي إلى القطاعات التي يرأسها وزراء نافذون أو قطاعات ذات صبغة سيادية وكان يحب أن تقتصر نقاشات المجلس الحكومي على هؤلاء الوزراء وهذه القطاعات دون غيرها، وكأني به رئيس حكومة القطاعات ذات الأولوية بالنسبة للدوائر العليا، وليس رئيس حكومة يتحمل فيها مسؤولية عمل وإنجازات كل القطاعات. “بنكيران” صرح أكثر من مرة أنه لا يطيق التداول في قضايا الثقافة والتجهيز والتعليم العالي والرياضة والتنمية الإجتماعية والسياحة والتعمير والإدارة والبيئة… لأنها لا تسمن ولا تغني من الناحية السياسية ولا تساعده على التقرب من القصر ودوائر القرار الإستراتيجي الضيقة. هذه المقاربة الإنتقائية جعلت منه رئيس حكومة في حكومة، حكومة فعلية وحكومة صورية، حكومة القرارات الإستراتيجية وحكومة القطاعات الهامشية.

كل هذا وأمثلة عديدة يسردها الكثير من الوزراء والمتتبعين تحيلنا إلى شيء واحد، هو أن “بنكيران” كان همه الوحيد ليس تنزيل الدستور وبناء دولة المؤسسات، ولكن إرضاء الجهات العليا لكي يكسب ثقتها ورضاها ويصير واحدا من خدامها الأوفياء. “بنكيران” كان يخاف إزعاج القصر خوفا كبيرا، وكان يظن أن لعب دوره المخول له من طرف الدستور سيضعف المؤسسة الملكية بشكل كبير. لم يؤمن يوما بأن تقوية دور المؤسسات هو في خدمة ثوابت الأمة، ومنها المؤسسة الملكية. لا يريد “بنكيران” أبدا أن يذكره التاريخ على أنه ساهم في إرساء دولة ديمقراطية قوية بمؤسساتها وبالتشارك في السلطة وتدبير شؤون البلاد، بل كان يريد أن يذكره التاريخ على أنه لم يقوض سلطة القصر، بل شارك في إعادة إنتاج الإستبداد الذي كان مهيمنا قبل 2011، والذي أتت أحداث الربيع المغربي للحد منه وبناء دولة الحق والقانون والمؤسسات والتشارك بين ممثلي الشعب والمؤسسة الملكية في تدبير شؤون البلاد.

لهذا فملاحظة “محمد اليازغي” كانت في محلها ودقيقة. لو أن “بنكيران” ركز على قضايا البناء الديمقراطي كأساس للإنتقال نحو ديمقراطية أساسها ملكية برلمانية تضمن استمرارية الثوابت، وكذا مشاركة فعالة للقوى السياسية الممثلة للأمة في اتخاذ القرار، لفوت على القوى التي انتعشت بالتحكم والتسلط المتخفي (والواضح أحيانا) وإعادة إنتاج سلوكات استبدادية ومخزنية بائدة، فرصة بسط سيطرتها على جزء غير يسير من المشهد السياسي والحزبي، وهي نفس القوى التي هندست للبلوكاج الحالي. التنازلات التي أهداها “بنكيران” لقوى شبه مستبدة بالقرار الإستراتيجي الوطني، هي ما جعلت هاته القوى تخطط للتراجع عن روح دستور 2011. وكأني بـ “بنكيران” يتنكر للدستور الذي أعطاه إمكانية تسيير الحكومة، ويتنكر لطموحات الشعب المغربي في إرساء دعائم ديمقراطية حقيقية لا تفرط في ثوابتها، ولكنها لا تجعل هذه الثوابت هي المرجعية الوحيدة للقرار السياسي.

إعادة إنتاج الإستبداد يتحمل فيها “بنكيران” جزءا من المسؤولية، لأن أهدافه كانت تختلف عن طموحات الشعب، ولأنه ظن بسذاجة مفرطة أن تقوية عود قوى نافذة في الدولة على حساب روح الدستور مفيد للمغرب على المدى البعيد. ما نراه الآن هو أن هذه القوى تفرض تنازلات جديدة قد تجعل حكومة “بنكيران” (إن شهدت النور) أضعف من الحكومة المنتهية ولايتها.

“أبراهام لنكولن” قال إن الدول لا تهزم من الخارج، ولكن إن تهاونت وتنازلت عن الحق وعن القانون من الداخل، فإنها ستهزم نفسها بنفسها. على “بنكيران” أن يفهم أن التقيد بالضوابط والحقوق وبالدستور مهما كلف ذلك من الناحية السياسية، هو ضمان لمناعة الدولة والشعب والمؤسسات لا العكس. عليه أن يفهم أن التاريخ لا يذكر ولا يرحم من تنازل وضعف ووهن، ولكن من كان يدرك أن قوة الأمم هي في شجاعة قراراتها ومواقف رجالاتها.

ماجد حجري (مدون مقيم بالديار الإسبانية)

شارك هذا على :

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. ناقد

    أعتقد أن المقال متحيز لفائدة حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي ضد حزب العدالة والتنمية، ففيه تكلف واضح. شكرا

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!