هل نستطيع الإستفادة من الفيلم المسيء؟

شارك هذا على :

قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم).

فهل يمكن أن تنطبق هذه الآية -رغم كل الألم والامتعاض- على حالة المسلمين في موقفهم من الفيلم المسيء؟ البعض قد يقول: إن الفيلم المسيء -مع ما فيه من سوء- لم يخلُ من فائدة، ولو لم يكن منها إلا أنه قد أسهم في تخفيف الاحتقان الطائفي وتوحيد المسلمين نحو هدف مشترك،وهو نصرة النبي صلوات الله عليه والغضب له والتظاهر لأجله والشعور بوجود عدو مشترك يستهدف الإسلام في أخص خصوصياته(القرآن والنبي) لكفى، فقد توحد المسلمون سنة وشيعة في الاستنكار والغضب وتناسوا الخلافات فيما بينهم، وهذا بحد ذاته إيجابي، أعني تخفيف الاصطفاف الطائفي، والاجتماع على أهداف مشتركة، أو ربما اكتشاف «مشتركات أساسية» كان غلاة الفريقين قد تناسوها وسط الخصومات.

ولكن هذه الفائدة صغيرة جداً قياساً بالإساءات البالغة التي تضمنها الفيلم، فهل نستطيع زيادة منسوب الفائدة المعاكسة للفيلم وأهدافه؟ الجواب: هذا يتوجب معرفة أهداف الفيلم؟

ثم العمل على إبطالها، فما هي أهدافه؟ للفيلم هدف أساسي كبير وهو تشويه صورة النبي صلوات الله عليه، هذا يجمع بقية الأهداف. فكيف نستطيع معاكسة هذا الهدف؟ قد يقول البعض بالمظاهرات والضغط السياسي على الولايات المتحدة والغرب عموماً، وهذا الفعل رغم تأييدنا له في مقالات سابقة إلا أنه يبقى ذا فائدة سريعة آنية، فلا نأمن أن يظهر غداً فيلم مماثل أو رسومات أو كتابات إلخ..،

مثلما سبقته أعمال من هذا النوع. إذاً لابد من التفكير في عمل جذري إستراتيجي بعيد المدى، يتدرج طلوعاً أو نزولاً، بمعنى يتدرج إما بالنزول من القرآن ونفي ما يضاده من الحديث، أو بالتدرج طلوعاً بالاطلاع على مواد هذه الأفلام والكتب والرسومات، وتصنيفها، بين استغلال مادة والتركيز على أخرى وافتراء ثالثة، فليس مواد تلك الكتب والأفلام والرسومات آتية كلها من التحليل أو من الهواء الطلق، فبعضها نحن مسؤولون عنه كمسلمين، والمنافقون لم يموتوا بموت النبي (ص) كما يتوقع الكثيرون، بل بقوا بعده وكانوا له أعداء فركنوا إلى الظالمين وحدثوا عن رسول الله بالأباطيل، ولكن المسلمين وثقوا بهم عندما أصبحت السلطة هي المعيار وليس البرهان، والسلطة هنا بمعناها الواسع، سلطة الحكم وسلطة السائد المذهبي ..إلخ.

إن الذين يتصورون أن النفاق كان موجوداً فقط مع وجود النبي حياً، فلما مات صلح الناس، فيه أكبر إساءة للنبي صلوات الله عليه، وكأنه سبب وجود النفاق على وجه الأرض، وفيه إساءة إلى كتاب الله وكأنه يتحدث عن شخوص معينين (من المنافقين)، وليس عن حالات ثقافية ونفسية ستستمر إلى يوم الدين، ولها ثقافتها وأحاديثها ولها تلاميذها من الصالحين والمفسدين، وإذا كان القرآن قد أخبر عن بعض الصحابة بسماعهم من هذه (الحالة النفاقية) فكيف بمن بعدهم؟ قال تعالى: (وفيكم سمّاعون لهم)، لاحظ (سماعون) بصيغة المبالغة، ونقل الله صادق، ومن كذّب هذا النقل القرآني أو استهان به فكيف ننتظر منه حسن الدفاع عمن هو دونه؟! السلطة يجب ألا تكون معيار صواب المعرفة، لابد أن تنتج المعرفة معيارها، والسلطة بمفهومها الشامل هي المانعة من تصحيح هذه المفاهيم لأنها إنتاج ذلك التشويه القديم، وهذا (التتفل) من ذلك (الثعلب).

إذاً فهذا العمل التدرجي من الاطلاع على المواد ومحاكمتها واتخاذها مادة للدعوة للإسلام حتى يكون عملنا هنا علمياً مقنعاً ومعرفياً يضغط على الإنسان الغربي الذي لا شأن له بالسياسة ولا بالتشريع ولا إنتاج هذه المواد، فالغرب أمم وشعوب لا يجوز أن نهملها هكذا ونقتصر على التظاهر والاستنكار، لابد من عمل ثقافي. إذاً فالتصحيح الداخلي، أو النقد الذاتي لتراثنا الذي حمل معظم مادة هذه الرسومات والكتب والأفلام، هو العمل الذي أصبح فرض عين، بعد أن قصر المسلمون في هذا الباب، لأن أصل المرض موجود في تراثنا ولو بنسبة معينة، صحيح أن الفيلم المسيء انتقى أسوأ ما رواه أهل الحديث والمؤرخون، وزادوا عليه أكاذيب ليست موجودة أصلاً، إلا أن شطراً كبيراً من الإساءات موجود عند أهل الرواية من أهل حديث وإخباريين ونسابين.. إلخ.

إذاً فالخط المعرفي هذا هو الأنجع والأقوم بالشهادة لله، إلا أنه تعترضه عدة عوائق إسلامية (أعني من المسلمين لا من الإسلام)، ومن أكبر هذه العوائق أو الأوهام: العائق الأول وهو الوهم الأول: أن أكثر المسلمين لا يتصور أبداً أن التراث الإسلامي يحتوي على نصف مادة هذا الفيلم – حسب ما ظهر منه حتى الآن- وربما أكثر، وهؤلاء هم العامة الذين لا يعرفون كتب الحديث والروايات المفتراة على رسول الله، فهذا الوهم لابد أن يزول من العامة ليستطيعوا الضغط على الخاصة ليقوموا بالمراجعة الجادة من خلال الاعتراف بهذه الإساءات أولاً، ثم العمل على تضعيفها علمياً وبيان أسباب هذه الإساءات، هل هو القصد أو الرواية بالمعنى أو اختلاط الآراء الشعبية بالنص أو غير ذلك مما سيتبين حال الدراسة الجادة فقط.

العائق الثاني وهو الوهم الثاني: أعني ذلك الوهم الذي يسيطر على أغلب من يعرفها من العلماء وطلبة العلم الذين يسيطر عليهم وهم عجيب يخفونه عن الناس، وهو ظنهم أن تلك الإساءات صحيحة ثابتة! ولكنهم لا يسمونها (إساءات) إلا إذا ظهرت في فيلم أجنبي، أو يتأولونها على بساطة ذلك الزمان أو حكمة التشريع وغير ذلك من الأعذار الواهية، وهم يكتمونها عن عامة الناس. إذاً فالفائدة عندما نعيد (صياغة النبوة) صياغة قرآنية لا مذهبية ولا روائية ولا حديثية، إلا ما اتفق من هذه الأحاديث والروايات مع القرآن الكريم المهيمن على الكتب كلها.

وهنا يبرز عائق ثالث: وهو أن يتصور المسلمون أنه لا تضاد بين النبي (الحديثي) والنبي (القرآني)، أعني صورة النبي في القرآن وصورته في الحديث، وهذا وهم ثالث، وهو نتيجة البعد عن المقارنة الجادة، من مشروعية القتال والجهاد (للدفع) إلى تشريعه للتوسع، وسائر ما يتصل بالحياة الأسرية والشخصية للنبي صلوات الله عليه، نعم هناك تباين واسع ولكن البحث الجاد وغلبة الرواية والمذهبية منع من محاكمة الروايات والمذاهب والتصورات بالقرآن الكريم.

د. حسن فرحان المالكي

شارك هذا على :

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!