دينة البشير تكتب: رسائل فذة من “جن الكوميديا”

تتواصل حلقات “طونوندس” للفنان الكوميدي حسن الفن على القناة الثانية “دوزيم”، (تأليف الفذ بمشاركة عبد الله عمري وإخراج أمير الرواني) وتُشرف على نهايتها، مُخلّفة موجة من الانتقادات، ومواصلة جدلا صحيا يعيد للواجهة نقاش دور الفن وقواعد الكوميديا وأنماط الضحك.

حنين إلى الباروديا

الباروديا اختيارُ حسنٌ يعود به الفذ هذا الموسم الرمضاني ليطل على جمهوره؛ لكن الطلة هاته المرة مختلفة؛ يذهب بنا إلى نمط مختلف عن المزاج الرمضاني العام، نمط غير متوقع، وما الفن إلا الجرأة واللامتوقع، ذلك اللامألوف والخارج عن متطلبات الذوق السائد.
“طوندونس”حنينُ وعودةُ الفذ لأعماله السابقة: “الشاليني تيفي”؛ “كانال 36″ و”قناة السي بي بي”.. ، سلسلات جعلت من البرامج التلفزيونية مادة وأرضية للاشتغال عليها بطريقة ساخرة؛ مريحة وبعيدة عن التوتر وهذا دور الباروديا؛ اسثخدام المحاكاة الساخرة كأداة لمناقشة الموضوعات المثيرة للجدل.

يسلط حسن الفذ الأضواء في جديده “طوندونس”على المحتوى الرقمي المغربي، يشخص “الويب” ،ويضع أصبعه على الجرح. نقدٌ ساخر مما يعيشه المجتمع من تناقضات عبر شخصيات مستقاة من إنتاجات الويب ببلادنا، عاهات فكرية ونفسية وعاطفية اقتحمت وسيطرت على منصة “يوتيوب”، خلقت “البوز” كما خلقت معه أيضا مشاهدا مشوّه الذوق مستسلما للرداءة.

خيبة أمل “جمهور كبور”

لقد تسببت جائحة كورونا في إلغاء تصويرالجزء الخامس من سلسلة “كبور”، التي كان من المقررعرضها خلال هذا الموسم الرمضاني، ففي الوقت الذي كان ينتظر” جمهور كبور” الجزء الجديد من سلسلته المحببة – التي لاقت نجاحا جماهيريا منقطع النظير- و التي تعوّد فيها على شخصية البدوي والتنكيت عليه والسخرية منه، وجد نفسه هذا الموسم موضِع السخرية بدلا من كبور؛ الأمر الذي لم يستسغه وجعله يشعر بخيبة أمل.

لولا ظروف “كورونا”؛ لربما كنا بصدد سلسلة ذات جرعة زائدة من الضحك، كبسولة تنويمية تتماشى وحالة الجائحة التي نعيشها؛ وتخفف ملل الوقت، لكن الفذ كان في جعبته وصفة بديلة، اختار العلاج بالصدمة هؤلاء الشخوص هم أنتم؛ هذه صحافتكم؛ برامجكم، إذاعاتكم وقنواتكم صنيعة “نقراتكم” أنتم من صنعها أنتم من نجّمها!

ايحاءات، رسائل فذة ومواضيع مُكثفة

إذا كان الضحك حسب الفيلسوف هنري بيرجسون يلعب دوراً تصحيحياً للأخطاء الاجتماعية، فالفذ عدّد في الحلقات الثلاث من طوندونس جملة من الشوائب التي يعاني منها المجتمع المغربي والتي تستلزم ضرورة التصحيح، محاولا تشريح تناقضاته ومن هنا، تبرز المفارقات وتولد الضحكة.

عديد القضايا الجوهرية والظواهر الاجتماعية والإنسانية المتعدّدة الأبعاد تطرقت لها السلسلة مُمرّرة رسائل شتى عبر مايشاهده الجمهور المغربي،”قل لي ماذا تشاهد؟ أقول لك من أنت”!

قضايا صيغت بأسلوب طريف من خلال التطرّق إلى مواضيع تمسّ بالأساس الشباب والأسرة – حبذا لو تفرقت على أزيد من أربع حلقات (لكثافتها و وفرتها)-: قضية الطالب الجامعي الضائع وظروفه المٌزرية، قضية التعصب الكروي للجماهير، استغلال النصابين وأصحاب الرقية الشرعية لوسائل التواصل الاجتماعي، خلق مشاهير وثنائيات غارقة في الجهل (الحلقة الأولى) التوغل في الجهل والشعوذة حتى من طرف الفئة المتعلمة (مشهد الإعلامية التي تسألُ هاتف “الجن” ليحل مشاكلها الشخصية / الحلقة الثانية)، السلوكيات التقليدية المتجذرة في بعض العائلات المغربية من عادات البذخ في الجنائز المغربية/الحلقة الثالثة)، المستوى الثقافي والتعليمي المنحط لصحافة الميكروطروطوار والبحث عن الفضائح، كما تشير السلسلة بطريقة ضمنية ايحائية وسريعة إلى وضعية الشابات المغربيات اللواتي يعملن في الخليج: فعندما تسأل صحفية “الميكرو”شابة على متن سيارة حمراء رباعية الدفع تتنغم بموسيقى خليجية:”إلا عطيتك مليار شنو ديري بها؟ فتجيب:
– “لا لا أختي شكرا عندي عندي بارك الله فيك”، فلك أن تطلق العنان عزيزي المتلقي لمخيلتك وتكشف مصدر المليار!

مواهب تستحق الطوندونس

سواء كان للممثل تجارب أو بطولات سابقة أم لا، فلا شك أنه سيلمع بالوقوف أمام حسن الفذ ويرفع رصيده الفني، ليس على مستوى شعبية و جماهيرية “كبور” فحسب، بل على مستوى الخبرة وتسيير الموهبة.
اختار حسن الفذ “كاستينغ” العمل الجديد بعناية، شباب خطف الأضواء وجعل الجمهور ينبش ليتعرف على هذه المواهب أبرزها مونية لمكيمل التي صفّق لها المشاهد واكتشف مسيرتها النضالية المسرحية، كما أثنى على مَشاهد الثنائي التطواني حسن ومحسن -المعروفان بالسكيتشات الكوميدية وأبانوا عن موهبة تستحق الطوندونس.

جن الكوميديا

أطلّ الفذ بشخصية الجن “سقرديس ابرنوخ” في الحلقة الثانية على جمهور تعوّد من أبطال “الكوميديا الرمضانية” على ترديد النكات المباشرة التي لا تتطلب الفهم، وعلى الشجار المجّاني والزعيق المزعج وحركات الفم البهلوانية..

ما يميز حسن الفذ هو “الأستاذية” يتماهى مع شخصياته انطلاقا من أبعاد نفسية وسوسيولوجية و انتروبولوجية ليثبت أنه حقا “جن الكوميديا”، و لكي تلتقط ما يقدمه لا يجب أن تتوفر على نسبة ذكاء “معقولة” فحسب؛ بل يجب أن تتمتع بمخيّلة خصبة، فالفن ليس ماتراه أعيننا فقط بل ما تتخيّله.

 

تحميل...