قراءة قانونية سياسية لمشروع قانون 22.02

قراءة قانونية سياسية لمشروع قانون 22.02 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي و شبكات البت المفتوح و الشبكات المماثلة مشروع قانون بمثابة كمامة قانونية دائمة على حرية التعبير..أو "كدق المسمار" الأخير في نعش حرية الرأي .

تفاجأ كل المتتبعين للشأن القانوني و السياسي بالمغرب ، برواج وثيقتين مسربتين من مشروع قانون 22.02 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي و شبكات البت المفتوح و الشبكات المماثلة تتضمنان بعض المقتضيات الزجرية ضد من يستعمل هذه الوسائط المعلوماتية الاجتماعية من أجل الدعوة إلى مقاطعة بعض المنتجات و البضائع و الخدمات أو التحريض علانية على ذلك ، و أيضا حمل العموم أو تحريضهم على سحب الأموال من مؤسسات الائتمان أو الهيئات المعتبرة في حكمها ، إضافة إلى الترويج لمحتوى إلكتروني يتضمن خبرا زائف من شأنه التشكيك في جودة و سلامة بعض المنتوجات و البضائع و تقديمها على أنها تشكل تهديدا أو خطر عام على الصحة العامة و الأمن البيئي .

و قد قرر هذا المشروع في مواجهة هذه الأفعال مجموعة من العقوبات السالبة للحرية التي قد تصل إلى ثلاث سنوات ، وعقوبات مالية قد تصل إلى خمسون ألف درهم .

بداية ، لا بد من الاعتراف، أن الكثير من مستعملي مواقع التواصل الإجتماعي وصناع المحتوى ، أصبحوا لا يعرفون الحدود القانونية والأخلاقية التي يجب أن تقف عندها منشوراتهم و محتوياتهم ، مما يجعلهم يقدمون أشياء مخالفة للقانون، ومضرة بالمصالح الخاصة و أيضا المصلحة العامة ، بل إن منهم من يسعى إلى خرق هذه المصالح عمدا لما يثيره هذا الأمر في الغالب من ضجة يستطيع من خلالها صانع المحتوى آو الناشر الإلكتروني أن يحقق ” البوز ” بكل ما يضمنه ذلك من زيادة في الشهرة والمداخيل المالية نتيجة الزيادة في عدد المتابعين والمعجبين الذين يتضاعفون مع كل تطاول وانتهاك صارخ في مواجهة الحقوق الفردية والجماعية .

و من الأكيد أننا أيضا كنا أمام فراغ تشريعي في معالجة بعض الممارسات المشينة التي تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبث المفتوح و الشبكات المماثلة ، ولذلك كان من غير الممكن معاقبة بعض مرتكبي هذه الأفعال،  ومن بينها مثلا نشر الأخبار الزائفة ، إلا من خلال التوسع في تفسير بعض المقتضيات القانونية الجنائية القريبة من هذه الأفعال .

وهذا ما كانت تلجأ أليه النيابة العامة بصفتها جهة متابعة وهيئة الحكم لمتابعة مرتكبي هذه الأفعال و الحكم عليهم ، رغم أن هذا التوجه الذي كانت تقوم هذه الأجهزة القضائية يتعارض مع مبدأ الشرعية الذي يعني أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” ، و ما يترتب عليه من ضرورة التفسير الضيق و عدم القياس .

لذلك كان الكل ينتظر قانون يضبط الفوضى و العشوائية التي يعرفها عالم مواقع التواصل الاجتماعي ، لا سيما أن تأثير هذا الإعلام الجديد أصبح أكثر قوة من الإعلام التقليدي ، لأنه رسخ ثقافة إعلام المواطن أو المواطن الصحافي الذي يكون فاعلا في نشر المادة الخبرية وتحليلها ، وأيضا متفاعلا مع باقي المنشورات والمحتويات انطلاقا من خصائص الإعجاب والتعليق والنشر . و هذه الخصائص جعلت منه المصدر الأساسي للأخبار في جميع المجالات ، بكل ما يترتب عن ذلك من تأثير على فئات واسعة من المواطنين ، خاصة إن عملية تداول الأخبار و المنشورات و المحتويات تتم بسرعة قياسية .

إن المتأمل في حجم وعدد القوانين الزجرية التي صدرت خلال الأسابيع القليلة الماضية ، يتبين المشرع المغربي أصابه إسهال تشريعي كبير من خلال إصدار عدة قوانين زجرية تتضمن عقوبات زجرية حبسية و مالية في وقت قياسي ، حتى انه تم إصدار و تطبيق قانون يجبر المواطنين على ارتداء الكمامات تحت طائلة العقاب ، قبل أن يتم توزيع هذه الكمامات في الصيدليات و المحلات المختصة ببيعها ، و هو ما يؤكد أن الحكومة تفكر وتقرر بسرعة وأحيانا بتسرع غير محمود ، قد يؤدي إلى انتهاك كبير لحقوق و حريات الأفراد . و هذا الأمر يدخل في إطار ما يعرف بمبدأ الهروب نحو القانون الجنائي ، أي أن المشرع يحاول أن يعالج أي إشكال قانوني عن طريق الآلية الجنائية و الزجرية ، رغم أنه كان يمكن معالجة الأمر عن طريق إقرار فقط جزاءات ذات طبيعة إدارية أو مدنية أو جزاءات بديلة للعقوبات السالبة للحرية . لكن مع ذلك قد نجد العذر للحكومة التي يمكنها تبرير هذا الكم التشريعي الزجري باعتباره مرتبط بالتدابير القانونية و الأمنية و القضائية الذي أرستها من أجل مواجهات آثار ومخلفات فيروس كورونا . لكن في حقيقة الأمر فانه بالنسبة لمشروع قانون 22.02 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي و شبكات البت المفتوح والشبكات المماثلة ، يمكن التساؤل بكل جدية , هل هناك بالفعل حاجة آنية لإصدار قانون ينظم مجالا حساسا كوسائل التواصل الاجتماعي ، في وقت وجيز ، و في برلمان تغيب عنه غالبية ممثلي الأمة ، و بهذه الحمولة العقابية و الزجرية في جرائم تدخل في إطار حرية الرأي و التعبير ؟ نعم ، لقد انتشرت الكثير من الأخبار الزائفة منذ بداية تغلغل هذا الفيروس في بلادنا وقبل فرض الحجر الصحي و بعده ، وتم اعتقال العشرات من المواطنين من مروجي هذه الأخبار الزائفة على مواقع التواصل الاجتماعي و تمت متابعتهم و إدانتهم بعقوبات سالبة للحرية ، لكن على ما يبدو أن هذه الأخبار لم تكن بالخطورة التي تهدد النظام العام و الأمن العام ، لا سيما أن أغلب المواطنين أصبحوا لا يتسرعون في تكوين رأيهم و قناعتهم و ترتيب الأثر على ما يصلهم من أخبار و معطيات غير رسمية إلا بعض الإطلاع على البلاغات الرسمية و الندوات الصحفية التي يقوم بها المسؤولين الحكوميين ، إضافة إلى أن القضاء كما رأينا توسع في النص القانوني الجنائي و تابعهم في حالة اعتقال و أدانهم بعقوبات حبسية . و بالتالي فإن المنطق الذي فرضه الواقع يؤكد على انه ليس هناك أي ضرورة مستعجلة من الناحية القانونية أو الواقعية للتسريع في بلوة و إصدار مثل هكذا قانون .

كما أنه بالتأمل في مضمون النص الجنائي الوارد في هذا المشروع ، يتبين أن بعض “اللوبيات” هي من وراء صياغته ، و تريد من خلال هذا القانون استغلال الظرفية الحرجة التي تمر منها بلادنا جراء تفشي جائحة كورونا من أجل إدراج مقتضيات قانونية زجرية حماية لمصالحها مما يمكن أن يتهددها مستقبلا ، و خاصة أولئك الذين تضررت مصالحهم جراء حملة مقاطعة منتجاتهم ، التي تمت في إطار حملة المقاطعة الشعبية لهذه المنتجات و التي عرفت نجاحا كبيرا ، بفعل التنسيق التي تم بين المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي . لا سيما أن البعض منهم أعضاء في الحكومة التي قامت بتهييىء هذا المشروع الخطير . و من جهة أخرى يلاحظ أن السيد وزير العدل الجديد الذي من المفترض أن وزارته هي الوصية عن المشروع ، لا يفقه شيئا في مجال العدل و العدالة و القانون ، وأنه منذ تقلده هذا المنصب و هو يتعامل بنوع من السطحية مع قضايا الحقوق و العدالة سواء من الناحية القانونية أو المؤسساتية ، و يتعامل مع القوانين التشريعية ، كما لو كانت مناشير يمكن أن يصدرها في الوقت الذي يشاء ، من دون لا تشاور مع الجهات المعنية و لا مع المتخصصين ، و من دون اعتماد أي مقاربة تشاركية مع الفعاليات المرتبطة بهذا بالمجال القانوني موضوع الإصدار . و هذا التوجه يحيلنا على طريقة التعامل التي سيتم اعتمادها مع مشاريع القوانين الأخرى التي مازالت عبارة عن مشاريع قوانين لفروع قانونية أساسية و مفصلية في المنظومة التشريعية المغربية ، كالقانون الجنائي و قانون المسطرة المدنية و قانون المسطرة الجنائية ، وقانون المحاماة .

لكن ، و بالنظر لما ذكر أعلاه , ما هو التقييم الذي يمكن أن نخرج به حول هذا المشروع قانون من ناحية السياسة الجنائية من خلال هاته الصفحتين الرائجتين التي بين أيدينا ؟

حينما نتأمل الصياغة التشريعية لهذا المشروع قانون ، يتبين أنه يعبر عن سياسة جنائية جد متشددة ، سواء من جهة الجانب التجريمي ، أو من جهة الجانب العقابي . فمن الناحية التجريمية يتبين أن هذه الجرائم صيغت في إطار جرائم سلوك ، أي أنها تتطلب فقط القيام بالفعل الجرمي و هو استعمال الوسائط المعلوماتية الإجتماعية من أجل الدعوى إلى مقاطعة بعض المنتوجات و البضائع و الخدمات أو التحريض علانية على ذلك ، وأيضا حمل العموم أو تحريضهم على سحب الأموال من مؤسسات الائتمان أو الهيئات المعتبرة في حكمها ، إضافة إلى الترويج لمحتوى إلكتروني يتضمن خبرا زائف من شأنه التشكيك في جودة و سلامة بعض المنتوجات و البضائع و تقديمها على أنها تشكل تهديدا أو خطر عام على الصحة العامة و الأمن البيئي ، و ذلك من دون أن تتحقق أي نتيجة معينة .

فالجريمة ثابتة و مكتملة من ناحية الركن المادي بارتكاب هذا الفعل ولو لم ينتج عن ذلك نتيجة كإخلال بالنظام العام و الأمن العام . كما أنه من ناحية الركن المعنوي فإنها تتطلب فقط القصد الجنائي العام ، أي العلم و الإرادة ، و لا تتطلب قصدا جنائيا خاصا كوجود سوء النية . فتأكد حسن النية لدى ناشر أو صانع المحتوى لا يؤثر في ثبوت ارتكابه لهذه الجرائم فحتى لو ثبت أن قصده كان هو التوعية و محاربة الفساد فان حسن نيته لا ينفعه لتجنب العقاب . و هذا ما يؤكد قمة التشدد في السياسة التجريمية في النص القانوني لهذا المشروع قانون . و إذا أردنا إجراء مقارنة بسيطة بين جريمة نشر أخبار زائفة في قانون الصحافة طبقا لمقتضيات المادة 72 من هذا القانون و بين نشر أخبار زائفة في نص هذا المشروع قانون ، سيتبين أن المشرع منح الصحافيين امتيازات لم يمنحها لمستعملي وسائل التواصل الإحتماعي ، فهو اعتبر هذه الجريمة تامة و ليس جريمة سلوك ، و بالتالي تشترط أن تتوفر إضافة إلى الفعل و هو السلوك الإجرامي ، النتيجة الإجرامية و هي الإخلال بالنظام العام و الأمن العام ، و أن تكون علاقة سببية بين السلوك و النتيجة . و بالنسبة للركن المعنوي اشترطت المادة 72 من قانون الصحافة توفر قصد جنائي خاص وهو سوء النية ، إضافة إلى القصد الجنائي ، الذي هو العلم و الإرادة ، و بالتالي فإن عدم توفر سوء النية لدى الفاعل يجعل العناصر التكوينية للجريمة غير مستجمعة ، ولا تكون هناك أي جريمة قائمة .

أما من ناحية السياسة العقابية فإن الحكم بعقوبات سالبة للحرية قد تصل إلى ثلاث سنوات حبسا نافذا، و عقوبات مالية تصل إلى حدود مبلغ خمسون ألف درهم . يدل أن الجانب العقابي متشدد جدا في هذا القانون ، إلى درجة أننا إذا أردنا مقارنته بمقتضيات قانون الصحافة ، و لا سيما المادة 72 من هذا القانون ، التي تقرر عقوبة مالية فقط دون العقوبة السالبة للحرية في حالة ثبوت ارتكاب الجريمة بجميع عناصرها التكوينية . و بالتالي قد نصل إلى حالة غير عادلة ونوع من انعدام المساواة بين أشخاص يمارسون تقريبا نفس المهام لا سيما بالنسبة لصناع المحتوى الذي يكون أحيانا مضمون إنتاجاتهم أكثر قو و جودة و احترافية من الإنتاجات الإعلامية و الصحفية لبعض الجرائد الإلكترونية ، لا سيما في حالة نشر منبر صحفي إلكتروني محتوى يدخل في إطار الجرائم المنصوص عليها أعلاه ، و يتم نشرها وتداولها بين مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي ؟ ففي هذه الحالة رغم أن الجريدة الإلكترونية هي مصدر الخبر أو المحتوى المجرم ، فإن مدير نشرها الذي يعتبر فاعلا أصليا و الصحافي صاحب المحتوى المباشر باعتباره شريكا يتابعان فقط وفق الامتيازات التي وفرها لهم قانون الصحافة، ولا يعاقبان سوى بعقوبات مالية عبارة عن غرامات مالية . بينما الأشخاص الذي تداولوا الخبر أو المحتوى المجرم يتابعون و يحاكمون من دون أي امتيازات خاصة , و في نفس المحاكمات التي تجرى في حق مجرمي الحق العام ، و بعقوبات حبسية نافذة قد تصل إلى ثلاث سنوات ، وغرامات مالية قد تصل إلى خمسون ألف درهم . و هذه المعطيات تبين أنه إضافة إلى التشدد التشريعي في النص المتعلق بالقانون 22.02 ، فأنه يقر نوع من اللامساواة و انعدام العدالة بين المواطنين .

أخيرا ، فإن الخلاصة التي يمكن أن نستخلصها في إطار ما ذكر أعلاه ، هي أن هذا القانون متسرع و تتم محاولة استغلال أزمة جائحة كورونا من أجل إصداره في زمن قياسي من دون اعتماد أي مقاربة تشاركية ، ويتضمن العديد من العيوب من جهة الصياغة ومن زاوية السياسة الجنائية، و أنه سيستعمل كغطاء لحماية بعض “اللوبيات” التي تحاول حماية مصالحها و لو ضد الإرادة الشعبية . و أنه في حالة مصادقة البرلمان عليه و نشره في الجريدة الرسمية ، سيتم حينئذ وضع كمامة دائمة على حرية الرأي و التعبير ببلادنا ، مع ما يستتبع ذلك من قمع و انتهاك للحقوق والحريات الفردية و الجماعية التي ضمنها الدستور و المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب .

د/ خالد الإدريسي محام بهيئة الرباط

تحميل...