ليلة القدر: مناسبة روحانية عظيمة وطقوس خاصة يحيها المغاربة

تحل اليوم مناسبة روحانية تكسي أهمية دينية مباركة متميزة لدى المغاربة قاطبة، إنها ليلة السابع والعشرين من شهر الرمضان المعظم، ليلة القدر مناسبة روحانية تتسم بأجواء إيمانية خالصة، ونفحات ربانية مخلصة، يبتغي من خلالها الفرد نيل أجر وثواب إقامتها منتهجا في ذلك سنة المصطفى رسول الله صل الله عليه وسلم، وكما ذأب على ذلك أسلافنا الكرام.

فليلة القدر خير من ألف شهر مصداقا لقوله تعالى “إن أنزلناه في ليلة القدر وما أدرك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر” ليلة أنزل الله فيها سورة مباركة عظيمة، وأنزل فيها القرأن، وفضلها على ألف شهر لتعظيمها الرباني، لأن مقادير وأقدار الخلائق تكتب فيها على مدى العام، وترفع فيها صحيفة الأعمال، وخير دعائها ” اللهم إنك عفوا تحب العفو فاعف عني” تليها

“اللهم بدل سيئتنا حسنات وقينا عذاب النار ولا ترفع أعمالنا إلا وأنت راضي عنا بكل ذنب مغفور”

تختزل ليلة السابع والعشرين في مفهومها العميق دلالات مائزة تعكس معاني السمو والخلود في حضرة الصلاة الإلهية، والأذكار والتسابيح المحفوفة بالتدين العظيم والطماع في المغفرة والتكفير عن المعاصي والذنوب، ضمن ممارسات تعبدية محضة.

تأتي هذه المناسبة اليوم في ظروف استثنائية تعرفها البلاد المغربية، نتيجة تفاشي وباء كورونا، الشيء الذي يجعلنا اليوم نقمها بشكل أسري خاص، في جو من التضامن والتأزر الاجتماعي، وكل في منزله، ضمن فضائه الحميمي الخاص في كنف الله تعالى، سعيا منا للحفاظ على سلامتنا الصحية والمحافظة على استمرارية الأمة، والدعاء إلى العالي القدير برفع الوباء والبلاء.

فقد تميز المجتمع المغربي باحتفال بهذه الليلة في أجواء صوفية، ملئها الخشوع والورع داخل مساجد المملكة في اطمئنان بهيج، فالله جعلها ليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم، خصها بتنزيل الملائكة والروح فيها لملكوت ثنيا أرض الله المستخلفين فيها، ليملئوها نورا إلهيا خالصا.

ورجحت أن تكون هذه الليلة، ليلة السابع والعشرين من رمضان الأبرك، لأن الله تعالى خصها، بالغموض، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، بأنها متواجدة ضمن العشر الأواخر من الشهر الفضيل، وكان يقول تحروها والتمسوها في العشر الأواخر من كل وتر، بمعنى أنها ليلة وترية قد تصادف 21 – 23 – 25 – 27 – 29، وقد أكد أن يتم تحريها في ليلة السابع والعشرين.

فقد كان الرسول الكريم صلوات الله عليه، إذا حلت العشر الأواخر كما جاء على لسان أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، شذ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.

وتشكل هذه الليلة المباركة فرصة الاحتفال بالصوم الأول للأطفال، في أجواء بهيجة تطبعها طقوس خاصة ميزت المغاربة منذ الازال، حيث يكون الطفل عريسا أو الطفلة عروس داخل كل بيت، نتيجة أخذ المبادرة من أجل صيامهم الأول، والذي هو بداية للدخول في أصل القيم الدينية الحنيفة، وتحمل المسؤولية والصبر والتزام في أمور الدينة والدنيوية.

وتعمل الأسر على تحفيز أبنائها بتشجيعهم على الصبر، من أجل إكمال هذا اليوم العظيم في حياتهم كلها، والذي سيظل ذكرى راسخة قوامها الشجاعة والتزام، ويجتهد الاباء والأمهات والأجداد والجدات في تحضير الأطباق المناسبة لهذه الاحتفالية، وإحضار الهدايا، فيتم إلباس الطفل الذكر، الزي التقليدي من قبيل الجلباب والطربوش الأحمر، والبلغة، وتعد له صينة خاصة بإفطاره، أما عن البنت فتزينها الأم بالزينة ويتم البسها القفطان المغربي الأصيل، مع تزين يديها بنقوش الحناء، في وضع يميزه حضور الأهل والأقارب والجيران، وتطلق الزغاريد، والصلاة على أشرف المرسلين ويتم إطعام العرائس التمر والحليب، إضافة إلى طقوس أخرى حسب خصوصيات كل منطقة من المناطق المغربية.

بعد الإفطار تتواجه الأسر إلى المساجد وهي تتردد سور من القرأن الكريم، لإقامة هاته الليلة وتحضر معها أطباق الكسكس كصداقة جارية في المساجد، ويتسمر المكوث في المسجد حتى أذان الفجر.

فهاته الليلة العظيمة تشيد بالقيم التي حملها المغاربة عبر التاريخ، من تقاليد وعادات خاصة تميز الاحتفال بها، وتعكس لنا الخصائص الفضيلة التي جعلها الله في هذه الليلة المباركة، التي تتضاعف فيها الحسنات، وتمحى فيها الخطايا والسيئات بإذن الله.

فهي فرصة كل مسلم اليوم بأن يجتهد بالصلاة والدعاء والاستغفار، فهي من ثمانين عاما، تحضر فيها مغفرة الله وفضائله اللامتناهية على عباده المكرمين.

وإن كنا اليوم نجسدها بواعي خالص داخل منزلنا، التزامنا منا على تزكية نفسنا بالتقوى ونيل الاجر والثواب.

نهيلة صالح-صحفية متدربة  

تحميل...